الخطيب الشربيني

184

مغني المحتاج

عليهم " الآية ( لا بعدها ) أي القدرة فلا تسقط تلك العقوبات عنه بالتوبة منها لمفهوم الآية ، وإلا لما كان للتخصيص بقوله " من قبل " فائدة ، والفرق من جهة المعنى أنه بعد القدرة متهم لدفع قصد الحد ، بخلاف ما قبلها فإنها بعيدة عن التهمة قريبة من الحقيقة ، وقوله ( على المذهب ) راجع للمسألتين ، وقيل في كل منهما قولان كالقولين في سقوط حد الزاني والسارق بالتوبة ، أما غير هذه العقوبات مما ذكر هنا من قصاص وضمان وغيرهما فلا يسقط بالتوبة مطلقا كما في غير هذا الباب . ( تنبيه ) المراد بالتوبة قبل القدرة الثابتة فلو ظفرنا به فادعى سبق توبته ففي الكفاية عن الأحكام السلطانية للماوردي أنه إن لم تظهر أمارتها لم يصدق ، وإلا فوجهان محتملان ، وقضية كلامه استواء التوبة التي قبل القدرة والتي بعدها وليس مرادا فإن الأولى يكتفى بمجردها ، والثانية يشترط فيها اصلاح العمل كما قاله جماعة من العراقيين ، وصححه الرافعي في الشرح الصغير ، ولو ثبت قطع الطريق والقتل بإقراره ثم رجع قبل رجوعه كما ذكره في التنبيه في أوائل الاقرار ( ولا تسقط سائر ) أي باقي ( الحدود ) المختصة بالله تعالى كالزنا والسرقة وشرب الخمر ( بها ) أي التوبة في قاطع الطريق وغيره ( في الأظهر ) لأنه صلى الله عليه وسلم لما جاء ما عز وأقر بالزنا حده ، ولا شك أنه لم يأته إلا وهو تائب ، فلما أقام عليه الحد لد على أن الاستثناء في المحارب وحده . والثاني تسقط بها قياسا على حد قاطع الطريق ، وصححه البلقيني . ( تنبيه ) يرد على المصنف تارك الصلاة كسلا فإنه يقتل حدا على الصحيح ، ومع ذلك لو تاب سقط القتل قطعا ، والكافر إذا زنى ثم أسلم فإنه يسقط عنه الحد كما نقله في الروضة عن النص ، ومرت الإشارة إليه في باب الزنا ، ولا يرد عليه المرتد إذا تاب حيث تقبل توبته ويسقط القتل : لأنه إذا أصر يقتل كفرا لاحدا ، ومحل الخلاف في السقوط وعدمه في ظاهر الحكم . أما فيما يبينه وبين الله تعالى فيسقط قطعا ، لأن التوبة تسقط أثر المعصية كما نبه عليه في زيادة الروضة في باب السرقة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم " التوبة ت جب ما قبلها " وورد " التائب من الذنب كمن لاذنب له " وإذا أقيم الحد في الدنيا لم يقم في الآخرة كما قاله الجيلي الحديث " الله أعدل أن يثنى على عبده العقوبة في الآخرة " وقد مرت لإشارة إلى ذلك مع زيادة في أول باب الجراح . ( فصل ) في اجتماع عقوبات في غير قاطع الطريق ، وهي إما لادمي ، أو لله تعالى : أو لهما ، وقد بدأ بالقسم الأول فقال ( من لزمه ) لجماعة ( قصاص ) في نفس ( وقطع ) لطرف آدمي ( وحد قذف ) لاخر ( وطالبوه ) بذلك ( جلدا ) أولا للقذف ( ثم قطع لقصاص الطرف ( ثم قتل ) لقصاص النفس ، لأن ذلك أقرب إلى استيفاء الجميع ، فإن اجتمع مع ذلك تعزير لادمي بدئ به ( ويبادر بقلته بعد قطعه ) فلا تجب المهلة بينهما ، لأن النفس مستوفاة ( لا قطعه بعد جلده إن غاب مستحق قتله ) جزما ، لأنه قد يهلك بالموالاة فيفوت قصاص النفس ( وكذا إن حضر وقال عجلوا القطع ) وأنا أبادر بالقتل بعده فإنا لا نعجله ( في الأصح ) لما مر . والثاني نبادر ، لأن التأخير كان لحقه وقد رضى بالتقديم ( ولو أخر مستحق النفس حقه ) وطلب الاخر ان حقهما ( جلد للقذف أولا ( فإذا برأ ) بفتح الراء ، ويجوز كسرها من الجلد ( قطع ) للطرف ، ولا يوالي بينهما خوف الهلاك فيوفت قصاص النفس فإن قيل كان المصنف في غنى عن هذا بما إذا غاب مستحق القتل أجيب بأنه إنما أعاده لضرورة التقسيم ( ولو أخر مستحق طرف ) حقه وطلب المقذوف حقه من قاذفه ( جلد ، و ) وجب ( على مستحق