الخطيب الشربيني
16
مغني المحتاج
تنبيه : محله في المرتد إذا لم يكن له شوكة وقوة ، وإلا ففيه قولان أظهرهما عند البغوي الضمان وهو الظاهر ، وظاهر تعبير الشرح الصغير يقتضي ترجيح المنع . ( و ) يشترط أيضا في القاتل ( مكافأة ) بالهمز ، وهي مساواته للقتيل بأن لم يفضله بإسلام أو أمان أو حرية أو أصلية أو سيادة ، ويعتبر حال الجناية ، وحينئذ ( فلا يقتل مسلم ) ولو زانيا محصنا ( بذمي ) لخبر البخاري : ألا لا يقتل مسلم بكافر قال ابن المنذر : ولم يصح عن النبي ( ص ) خبر يعارضه ، ولأنه لا يقاد المسلم بالكافر فيما دون النفس بالاجماع كما قاله ابن عبد البر ، فالنفس بذلك أولى . تنبيه : لو عبر المصنف بالكافر كان أولى لموافقة لفظ الحديث ولشموله من لم تبلغه الدعوة ، فإن المسلم لا يقتل به على الأصح ، لكنه إنما ذكر الذمي لينبه على خلاف الحنفية ، فإنهم يقولون : إن المسلم يقتل به ، وحملوا الكافر في الحديث على الحربي لقوله بعد : ولا ذو عهد في عهده وذو العهد يقتل بالمعاهد ولا يقتل بالحربي لتوافق المتعاطفين . وأجيب عن حملهم على ذلك بأن قوله ( ص ) : لا يقتل مسلم بكافر يقتضي عموم الكافر فلا يجوز تخصيصه بإضمار ، وقوله : ولا ذو عهد كلام مبتدأ ، أي لا يقتل ذو العهد لأجل عهده . وبأنه لو كان كما قالوه لخلا عن الفائدة لأنه يصير التقدير : لا يقتل المسلم إذا قتل كافرا حربيا ، ومعلوم أن قتله عبادة فكيف يعقل أنه يقتل به . ( ويقتل ذمي به ) أي المسلم لشرفه عليه . ( و ) يقتل أيضا ( بذمي وإن اختلفت ملتهما ) فيقتل يهودي بنصراني ومعاهد ومستأمن ومجوسي وعكسه ، لأن الكفر كله ملة واحدة من حيث أن النسخ شمل الجميع ، وإن اقتضت عبارة المتن أنه ملل إلا أن يريد اختلاف ملتهما بحسب زعمهما . ( فلو أسلم ) الذمي ( القاتل ) كافرا مكافئا له ، ( لم يسقط القصاص ) لتكافئهما حالة الجناية ، لأن الاعتبار في العقوبات بحال الجناية ولا نظر لما يحدث بعدها ، وذلك إذا زنى الرقيق أو قذف ثم عتق يقام عليه حد الأرقاء . فإن قيل : في هذا قتل مسلم بكافر وقد منعتم من ذلك . أجيب بالمنع ، بل هو قتل كافر بكافر إلا أن الموت تأخر عن حال القتل . ومنهم من حمل عليه حديث أنه صلى الله عليه وسلم قتل يوم خيبر مسلما بكافر وقال : أنا أكرم من وفى بذمته رواه أبو داود في مراسيله . ويقتل رجل بامرأة وخنثى كعكسه ، وعالم بجاهل كعكسه ، وشريف بخسيس ، وشيخ بشاب كعكسهما ، لأنه صلى الله عليه وسلم كتب في كتابه إلى أهل اليمن : أن الذكر يقتل بالأنثى رواه النسائي وصححه ابن حبان والحاكم . وقيس بما فيه البقية . ( ولو جرح ذمي ) أو نحوه ( ذميا ) أو نحوه ( وأسلم الجارح ثم مات المجروح ) بسراية تلك الجراحة ، ( فكذا ) لا يسقط القصاص في النفس ( في الأصح ) للتكافؤ حالة الجرح المفضي إلى الهلاك . وإنما اعتبرت لأنها حالة الفعل الداخل تحت الاختيار ولهذا لو جرح الجارح ومات المجروح وجب القصاص . والثاني : يسقط نظرا في القصاص إلى المكافأة وقت الزهوق . وكما لا يسقط القصاص لا تسقط الكفارة كالديون اللازمة في الكفر . تنبيه : قد علم من تعليل الثاني أن محل الخلاف إذا لم يسلم المجروح ، فإن أسلم ثم مات وجب القصاص قطعا . ومحله أيضا في قصاص النفس ، أما لو قطع طرفا ثم أسلم القاطع ثم سرى وجب قصاص الطرف قطعا . ( وفي الصورتين ) وهما إسلام القاتل بعد قتله أو جرحه لا يقتص له وارثه الكافر ، بل ( إنما يقتص ) له ( الإمام ) لكن ( بطلب الوارث ) ولا يفوضه إليه تحرزا من تسليط الكافر على المسلم ، فإن أسلم فوض إليه لزوال المانع . أما إذا لم يطلب فليس للإمام أن يقتص وإن كان هو الوارث فله أن يقتص . ( والأظهر قتل مرتد ) انتقل من إسلام إلى كفر ( بذمي ) ومستأمن ومعاهد سواء عاد إلى الاسلام أم لا كما قاله في الام لاستوائهما في الكفر ، بل المرتد أسوأ حالا من الذمي لأنه مهدر الدم ولا تحل ذبيحته ولا مناكحته ولا يقر بالجزية ، فأولى أن يقتل بالذمي الثابت له ذلك ، أي غالبا ، وإلا فقد يتخلف عنه بعضها كالمجوسي إذا عقدت له الذمة . والثاني : لا يقتل به لبقاء علقة الاسلام في المرتد . ويؤخذ من التعليل