الخطيب الشربيني
148
مغني المحتاج
تنبيه : أفهم عطفه التغريب بالواو أنه لا يشترط الترتيب بينهما ، فلو قدم التغريب على الجلد جاز كما صرح به في الروضة وأصلها ، وإن نازع فيه الأذرعي وقال إنه خلاف ما درج عليه السلف ، وأفهم لفظ التغريب أنه لا بد من تغريب الإمام أو نائبه ، حتى لو أراد الإمام تغريبه فخرج بنفسه وغاب سنة ثم عاد لم يكف وهو الصحيح ، لأن المقصود التنكيل ولم يحصل ، وابتداء للعام من حصوله في بلد التغريب في أحد وجهين ، أجاب به القاضي أبو الطيب ، والوجه الثاني من خروجه من بلد الزنا ، ولو ادعى المحدود انقضاء العام ولا بينة صدق لأنه من حقوق الله تعالى ويحلف استحبابا . قال الماوردي : وينبغي للإمام أن يثبت في ديوانه أول زمان التغريب . ويغرب ( إلى مسافة قصر ) لأن ما دونها في حكم الحضر لتوصل الاخبار فيها إليه . والمقصود إيحاشه بالبعد عن الأهل والوطن ( فما فوقها ) إن رآه الإمام ، لأن عمر غرب إلى الشام ، وعثمان إلى مصر ، وعليا إلى البصرة ، وليكن تغريبه إلى بلد معين فلا يرسله الإمام إرسالا ( وإذ عين الإمام جهة فليس له ) أي المغرب ( طلب غيرها في الأصح ) لأن ذلك أليق بالزجر ، ومعاملة له بنقيض قصده ، والثاني له ذلك لأن المقصود إيحاشه بالبعد عن الوطن . تنبيه : لو غرب على الأول إلى بلد معين ، فهل يمنع من الانتقال إلى بلد آخر ؟ . وجهان : أصحهما كما في أصل الروضة لا يمنع لأنه امتثل والمنع من الانتقال لم يدل عليه دليل ، وما صححه الروياني من أنه يلزمه أن يقيم ببلد الغربة ليكون كالحبس له ، فلا يمكن من الضرب في الأرض لأنه كالنزهة يحمل كما قال شيخنا على أن المراد ببلد الغربة غير بلده لأن ما عداه بلاد غربة ، وبقوله : فلا يمكن من الضرب في الأرض أنه لا يمكن من ذلك في جميع جوانبها ، بل في غير جانب بلده فقط على ما عرف ، ويجوز له أن يحمل معه جارية يتسرى بها مع نفقة يحتاجها ، وكذا مال يتجر فيه كما قاله الماوردي ، وليس له أن يحمل معه أهله وعشيرته ، فإن خرجوا معه لم يمنعوا ، ولا يعتقل في الموضع الذي غرب إليه كما قالاه لكن يحفظ بالمراقبة والتوكيل به لئلا يرجع إلى بلدته أو إلى ما دون المسافة منها ، لا لئلا ينتقل إلى بلد آخر لما مر من أنه لو انتقل إلى بلد آخر لم يمنع ، فإن احتيج إلى الاعتقال خوفا من رجوعه إلى ما ذكر اعتقل ، وكذا إن خيف من تعرضه للنساء وإفسادهن فإنه يحبس كما قاله الماوردي كفا له عن الفساد ، ولو عاد إلى البلد الذي غرب منه أو إلى دون مسافة القصر منه رد واستؤنفت المدة على الأصح ، إذ لا يجوز تفريق سنة التغريب في الحر ، ولا نصفها في غيره لأن الايحاش لا يحصل معه ، وقضية هذا أنه لا يتعين للتغريب البلد الذي غرب إليه ، وأشار إلى تفرده به ولم يقف ابن الرفعة على نقل في ذلك ، فقال : الأشبه أن يقال ( ويغرب ) زان ( غريب ) له بلد ( من إن قلنا بالاستئناف لم يتعين ذلك البلد بلد الزنا ) تنكيلا وإبعادا عن موضع الفاحشة ( إلى غير بلده ) لأن القصد إيحاشه وعقوبته وعوده إلى وطنه يأباه ، ويشترط أن يكون بينه وبين بلده مسافة القصر فما فوقها ليحصل ما ذكر ( فإن عاد إلى بلده ) الأصلي ( منع منه في الأصح ) معارضة له بنقيض قصده ، ومقابل الأصح أنه لا يتعرض له وهو احتمال للغزالي لا وجه كما يوهمه كلام المتن ، ولو زنى الغريب في البلد الذي غرب إليه غرب إلى بلد آخر ودخلت مدة بقية الأول مدة الثاني لتجانس الحديث ، ولو زنى المسافر في طريقه غرب إلى غير مقصده لما مر به ونازع في ذلك البلقيني ، وقال : لا يحجر على الإمام في ذلك ، بل إذا رأى تغريبه في جهة مقصده لم يمنع ، ومن لا وطن له كالمهاجر إلينا من دار الحرب ولم يتوطن بلدا يمهل حتى يتوطن ثم يغرب ، وهذا لا ينافيه قول القاضي أنه يغرب من المكان الذي قصده ، ويغرب البدوي عن حلته وقومه ( ولا تغرب امرأة ) زانية ( وحدها في الأصح بل مع زوج أو محرم ) لخبر لا تسافر المرأة إلا ومعها زوج أو محرم . وفي الصحيحين : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة