الخطيب الشربيني
140
مغني المحتاج
كان الأولى أن يعبر كما في المحرر بقتل المرتد إن لم يتب رجلا كان أو امرأة ، لأن خلاف أبي حنيفة في قتلها ، لا في استتابتها ، فإنه قال : تحبس وتضرب إلى أن تموت أو تسلم ( وفي قول تستحب ) استتابته ( كالكافر ) الأصلي . فإن قيل : يدل لذلك أنه ( ص ) لم يستتب العرنيين . أجيب بأنهم حاربوا ، والمرتد إذا حارب لا يستتاب ( وهي ) أي الاستتابة على القولين معا ( في الحال ) في الأظهر ، فإن تاب وإلا قتل ، لأن قتله المرتب عليها حد ، فلا يؤخر كسائر الحدود ، وقد مر أن السكران يسن تأخيره إلى الصحو ، ولو سأل المرتد إزالة شبهة نوظر بعد إسلامه لا قبله ، لأن الشبهة لا تنحصر ، وهذا ما صححه الغزالي كما في نسخ الرافعي المعتمدة وهو الصواب ، ووقع في أكثر نسخ الروضة تبعا لنسخ الرافعي السقيمة أن الأصح عند الغزالي المناظرة أولا ، والمحكي عن النص عدمها ، وإن شكا قبل المناظرة جوعا أطعم ثم نوظر ( وفي قول ) يمهل فيها على القولين ( ثلاثة أيام ) لاثر عن عمر رضي الله تعالى عنه في ذلك ، وأخذ به الإمام مالك . وقال الزهري : يدعى إلى الاسلام ثلاث مرات ، فإن أبى قتل ، وعن علي رضي الله تعالى عنه أنه يستتاب شهرين . وقال النخعي والثوري : يستتاب أبدا ، وعلى التأخير يحبس مدة الامهال ولا يخلى سبيله . ( فإن ) لم يتب الرجل والمرأة عن الردة : بل ( أصرا ) عليها ( قتلا ) لقوله ( ص ) : من بدل دينه فاقتلوه رواه البخاري ، ويقتله الإمام أو نائبه إن كان حرا لأنه قتل مستحق لله تعالى فكان للإمام ولمن أذن له كرجم الزاني ، هذا إن لم يقاتل ، فإن قاتل جاز قتله لكل من قدر عليه ، ويجوز للسد فتل رقيقه المرتد على الأصح ، ويقتل بضرب العنق دون الاحراق ونحوه للامر بإحسان القتلة ، فإن خالف وقتله بغيره أو قتله غير الإمام أو نائبه بغير إذنه عزر الأول لعدوله عن المأمور به . والثاني لافتياته ولا شئ عليه من قصاص أو دية . نعم قتله مرتد قتل به كما مر في الجنايات . قال الماوردي : ولا يدفن المرتد في مقابر المسلمين لخروجه بالردة عنهم ، ولا في مقابر الكفار لما تقدم له من حرمة الاسلام اه . والذي يظهر أن حرمة الاسلام انقطعت بموته كافرا فلا مانع من دفنه في مقابر الكفار ، قد مر أن الردة أفحش الكفر ( وإن ) كان كل من الرجل والمرأة ارتدا إلى دين لا تأويل لأهله كعبدة الأوثان ومنكري النبوات ، ومن يقر بالتوحيد وينكر نبوة محمد ( ص ) ثم ( أسلم صح ) إسلامه إذا أتى بالشهادتين ، قال ابن النقيب في مختصر الكفاية : وهما أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، وهذا يؤيد من أفتى من بعض المتأخرين بأنه لا بد أن يأتي بلفظ في أشهد الشهادتين ، وإلا لا يصح إسلامه . وقال الزنكلوني في شرح التنبيه : وهما لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وظاهره أن لفظه أشهد لا تشترط في الشهادتين ، وهو يؤيد من أفنى بعدم الاشتراط ، وهي واقعة حال اختلف المفتون في الافتاء في عصرنا فيها ، والذي يظهر لي أن ما قاله ابن النقيب محمول على الكمال ، وما قاله الزنكلوني محمول على أقل ما يحصل به الاسلام ، فقد قال ( ص ) : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله محمد رسول الله رواه البخاري ومسلم ، ولا بد من ترتيب الشهادتين بأن يؤمن بالله ثم رسوله ، فإن عكس لم يصح ما في المجموع في الكلام على ترتيب الوضوء ، وقال الحليمي : إن الموالاة بينهما لا تشترط ، فلو تأخر الايمان بالرسالة عن الايمان بالله تعالى مدة طويلة صح ، قال : وهذا بخلاف القبول في البيع والنكاح ، لأن حق المدعو إلى دين الحق أن يدوم ولا يختص بوقت دون وقت فكأن العمر كله بمنزلة المجلس ( و ) إذا قال كل منهما ذلك ( ترك ) ولو كان زنديقا ، أو تكرر ذلك منه ، ولا يشترط مضي مدة الاستبراء لقوله تعالى * ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) * . نعم يعزر من تكرر ذلك منه لزيادة تهاونه بالدين فيعزر في المرة الثانية فما بعدها ، ولا يعزر في المرة الأولى ، وحكى ابن يونس الاجماع عليه . وقال أبو حنيفة : إنما يعزر في الثالثة ونقل عن أبي إسحق المروزي أنه يقتل في الرابعة . قال الإمام : وعد هذا من هفواته اه . ولا يصح هذا عن أبي إسحق ، وإنما هو منسوب لإسحاق بن راهويه كما قاله القاضي حسين وغيره . تنبيه : كان الأولى للمصنف أن يثني أسلم ، وترك ليوافق ما قبله ، ولكن يحصل بما قدرته ( وقيل لا يقبل )