الخطيب الشربيني
126
مغني المحتاج
الوطئ لزمه المهر كغيره ، وبعضهم استثنى هذه المسألة من إطلاق المصنف نفي الضمان وهو ممنوع ، لأن إتلاف البضع بالوطئ لا تعلق له بالقتال ، والكلام إنما هو فيه . وأما الحربي إذا وطئ أمة غيره بلا شبهة فإن الولد يكون رقيقا ، ولا نسب ولا حد عليه ، ولا مهر إن كانت مكرهة على الوطئ ، لأنه لم يلتزم الأحكام . واعلم أن ما سبق من نفي الضمان محله عند اجتماع الشوكة والتأويل ، فإن فقد أحدهما فله حالان أشار إلى الأول بقوله : ( و ) الباغي ( المتأول بلا شوكة ) له ( يضمن ) النفس والمال ولو حال القتال كقاطع الطريق ، ولأنا لو أسقطنا الضمان عنه لم تعجز كل شرذمة تريد إتلاف نفس ومال أن تبدي تأويلا وتفعل من الفساد ما تشاء ، وفي ذلك بطلان السياسات ، وأشار إلى الثاني بقوله : ( وعكسه ) وهو من له شوكة بلا تأويل حكمه ( كباغ ) في الضمان وعدمه ، وتقدم أن الأظهر عدم الضمان في حال القتال لضرورته فكذا هنا لأن سقوط الضمان في الباغين لقطع الفتنة واجتماع الكلمة وهو موجود هنا ، وخالف في ذلك البلقيني وقال : بالضمان . تنبيه : ما ذكره المصنف من تنزيلهم منزلة البغاة هو بالنسبة للضمان كما قيدت به كلامه ، لأنه السابق أولا ، أما الحدود إذا أقاموها ، أو الحقوق إذا قبضوها ، فلا يعتد بها الانتفاء شرطهم . قال الشيخان : والتحكيم فيهم على الخلاف في غيرهم . فرع : لو ارتدت طائفة لهم شوكة فأتلفوا مالا أو نفسا في القتال ثم تابوا وأسلموا هل يضمنون أولا كالبغاة ؟ وجهان في أصل الروضة من غير ترجيح ، والصحيح كما قال الأسنوي الأول لجنايتهم على الاسلام ونقله الماوردي عن النص في أكثر كتبه . وقال الأذرعي : إنه الوجه ، ولا ينفذ قضاء قاضي المرتدين قطعا ، قاله في أصل الروضة . ثم شرع المصنف في كيفية قتال البغاة فقال : ( ولا يقاتل ) الإمام ( البغاة حتى يبعث إليهم أمينا فطنا ) إن كان البعث للمناظرة كما قاله بعض المتأخرين ( ناصحا ) لهم ، فإذا وصل إليهم ( يسألهم ما ينقمون ) أي يكرهون اقتداء ب علي رضي الله تعالى عنه فإنه بعث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إلى أهل النهروان فرجع بعضهم وأبى بعضهم . تنبيه : ظاهر عبارته أن البعث واجب وهو ظاهر عبارة الشرحين أيضا ، وصرح به ابن الصباغ وغيره ، وقال في المطلب وهو ظاهر كلام الشافعي ، وصرح به الأصحاب ، وفي تعليق القاضي أبي الطيب أنه مستحب ( فإن ذكروا مظلمة ) هي سبب امتناعهم عن الطاعة ، وهي إن كانت مصدرا ميميا فبفتح اللام وكسرها . وقال الزركشي : الفتح هو القياس ، أو اسما لما يظلم به فالكسر فقط ( أو شبهة أزالها ) لأن المقصود بقتالهم ردهم إلى الطاعة ودفع شرهم كدفع الصائل دون قتلهم لقوله تعالى : * ( فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله ) * أي ترجع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ( فإن أصروا ) بعد الإزالة أو لم يذكروا شيئا ( نصحهم ) ووعظهم وخوفهم سوء عاقبة البغي ، وأمرهم بالعود للطاعة ، لأن ذلك أقرب إلى حصول المقصود ( ثم ) إن أصروا دعاهم إلى المناظرة ، فإن لم يجيبوا أو أجابوا أو غلبوا في المناظرة وأصروا ( آذنهم ) بالمد ، أي أعلمهم ( بالقتال ) لأن الله تعالى أمر أولا بالاصلاح ثم بالقتال ، فلا يجوز تقديم ما أخره الله تعالى . تنبيه : إنما يعلمهم بالقتال إذا علم أن في عسكره قوة وقدرة عليهم ، وإلا أخره إلى أن تمكنه القوة عليهم ، لأنه الاحتياط في ذلك كما نقله في البحر عن النص ، وقتالهم حينئذ واجب لاجماع الصحابة عليه بأحد خمسة أمور كما قاله الماوردي : أن يتعرضوا لحريم أهل العدل ، أو يتعطل جهاد الكفار بهم ، أو يأخذوا من حقوق بيت المال ما ليس لهم ، أو يمتنعوا من دفع ما وجب عليهم ، أو يتظاهروا على خلع الإمام الذي قد انعقدت بيعته ، فلو انفردوا عن الجماعة ولم يمنعوا حقا ولا تعدوا إلى ما ليس لهم جاز قتالهم لأجل تفريق الجماعة ، ولا يجب لتظاهرهم بالطاعة ( فإن استمهلوا ) أي طلبوا الامهال من الإمام ( اجتهد ) فيه وفي عدمه ( وفعل ما رآه صوابا ) منهما ، وإن ظهر له أن استمالهم للتأمل