الخطيب الشربيني

121

مغني المحتاج

السنة في الرجل إذا رأى عينه سليمة وأحواله معتدلة يقول في نفسه ذلك ، وكان القاضي يحصن تلامذته بذلك إذا استكثرهم . وذكر الإمام فخر الدين في بعض كتبه إن العين تؤثر ممن له نفس شريفة لأنها استعظام الشئ ، وما رواه القاضي عن بعض الأنبياء يرد ذلك . قال الزركشي : وسكتوا عن القتل بالحال ولم أر فيه نقلا ، وأفتى بعض المتأخرين بأنه يقتل إذا قتل به لأن له فيه اختيارا كالساحر ، والصواب أنه لا يقتل به ولا بالدعاء عليه كما نقل ذلك عن جماعة من السلف . قال مهدي بن ميمون : حدثنا غيلان بن جرير أن مطرف بن عبد الله بن الشخير كان بينه وبين رجل كلام فكذب عليه ، فقال مطرف : اللهم إن كان كاذبا فأمته فخر ميتا فرفع ذلك إلى زياد فقال قتلت الرجل ، فقال : لا ، ولكنها دعوة وافقت أجلا . ( ولو شهد لمورثه بجرح قبل الاندمال لم تقبل ) للتهمة لأنه لو مات مورثه كان الأرش له فكأنه شهد لنفسه . قال أبو علي الفارقي : إلا أن يكون على المجروح دين يستغرق تركته فتقبل شهادته لأنه لا يجر بذلك لنفسه نفعا . وتبعه على ذلك تلميذه أبو سعيد بن أبي عصرون . قال الأسنوي : وفيه نظر لأن الدين لا يمنع الإرث ، وربما يبرأ منه . وقال الأذرعي : فيه وقفة وتقوى فيما إذا كانت الديون لا يتصور الابراء منها كالزكوات والوقوف العامة أو كانت لطفل أو مجنون اه‍ . والظاهر إطلاق كلام الأصحاب ، لأن التهمة موجودة لاحتمال ظهور مال لمورثه مخفيا . قال الرافعي : وشهادتهم بتزكية الشهود كشهادتهم بالجرح . تنبيه : أطلق الشيخان الجرح وقيده الإمام بجرح يمكن أن يفضي إلى الهلاك ، وكلام المصنف قد يوهم اعتبار الإرث حالة الشهادة حتى لو كان محجوبا ثم زال المانع يقبل ، والمذهب أنه لو مات قبل الحكم بشهادتهما بطلت أو بعده فلا ( وبعده ) أي الاندمال ( يقبل ) جزما لانتفاء التهمة حينئذ . تنبيه : أطلق المصنف المورث وهو مقيد بغير أصله وفرعه كما يعلم من باب الشهادات ، لأن شهادتهما لا تقبل مطلقا للبعضية . ( وكذا ) لو شهد لمورثه ( بمال في مرض موته ) تقبل ( في الأصح ) عند الأكثرين لما مر ، والثاني لا تقبل كالجرح ، وفرق الفارقي بينهما بأنهما إذا شهدا بالمال لم يحصل لهما نفع حال وجوبه ، لأن الملك يحصل للمشهود له وينفذ تصرفه فيه في ملاذه وشهواته ، وإذا شهدا له بالجراحة كان النفع حال الوجوب لهما لأن الدية قبل الموت لم تجب ، وبعده تجب لهما ، وفرق الرافعي بأن الجرح سبب الموت الناقل للحق ، فإذا شهد بالجرح فكأنه شهد بالسبب الذي ثبت به الحق ، وههنا بخلافه ( ولا تقبل شهادة العاقلة بفسق شهود قتل ) أو قطع طرف خطأ أو شبه عمد ( يحملونه ) وقت الشهادة لأنهم يدفعون عن أنفسهم الغرم ، فإن كانوا لا يحملونها وقت الشهادة نظرت ، فإن كانوا من فقراء العاقلة فالنص ردها أيضا ، أو من أباعدهم وفي الأقربين وفاء بالواجب فالنص قبولها . والفرق أن المال غاد ورائح ، والغني غير مستبعد فتحصل التهمة ، وموت القريب كالمستبعد في الاعتقاد فلا تتحقق التهمة بمثله ، واحترز المصنف بقوله قتل يحملونه عما لو شهدوا بفسق بينة القتل العمد وبينة الاقرار بالقتل فإنها مقبولة لعدم التهمة ، إذ لا تحمل . تنبيه : لو قال : ولا تقبل شهادة العاقلة بفسق شهود ما تحمله ليدخل ما قدرته في كلامه لكان أولى . واعلم أنه يشترط في الشهادة السلامة من التكاذب . ( و ) حينئذ ( لو شهد اثنان على اثنين بقتله ) أي شخص ( فشهدا ) أي المشهود عليهما مبادرة ( على الأولين ) أو غيرهما ( بقتله فإن صدق الولي الأولين حكم بهما ) لسلامة شهادتهما عن التهمة وسقطت شهادة الآخرين لأنهما يدفعان بشهادتهما عن أنفسهما القتل الذي شهد به الأولان ، والدافع متهم في شهادته . تنبيه : قضية كلامه أن الأولين إنما يحكم بشهادتهما إذا صدقهما الولي ، وليس مرادا ، بل يشترط عدم