الخطيب الشربيني
65
مغني المحتاج
يؤجر ويعير ويورث عنه ويوصي بها ، ولهذا عبر المصنف بالمنفعة دون أن ينتفع ، فإنه لو قال : أوصيت لك بأن تنتفع به حياتك أو بأن تسكن هذه الدار أو بأن يخدمك هذا العبد إباحة لا تمليك فليس له الإجارة ولا الإعارة في أصح الوجهين ، ويفارق ما مر بأنه هنا عبر بالفعل وأسنده إلى المخاطب فاقتضى قصوره على مباشرته بخلافه ثم . تنبيه : إطلاقه المنفعة يقتضي عدم الفرق بين المؤبدة والمقيدة ، وهو كذلك كما قطعا به في باب الإجارة ، خلافا لما مشينا عليه هنا من أن الوصية المؤقتة إباحة فلا يؤجر . ( و ) يملك أيضا ( أكسابه المعتادة ) كاحتطاب واصطياد وأجرة حرفة ونحوها لأنها أبدال المنافع الموصى بها بخلاف النادرة كالهبة واللقطة لأنها لا تقصد بالوصية . وعن ابن عبد السلام أنه قال : ما زلت أستشكل ملك الرقبة دون المنفعة وأقول هذا إنما ينتفع ويملك المنافع ، فما الذي بقي لمالك الرقبة ؟ حتى رأيت في المنام قائلا يقول : لو ظهر في الأرض معدن ملكه مالك الرقبة دون المنفعة اه . وله أيضا عتقه وبيعه من الموصى له . ( وكذا مهرها ) أي الأمة الموصى بمنفعتها لشخص إن زوجت أو وطئت بشبهة مثلا يملكه الموصى له ، ( في الأصح ) لأنه من فوائد الرقبة كالكسب ، وهذا ما في الروضة وأصلها عن العراقيين والبغوي ، وجزم به الأكثرون . والثاني ، وهو الأشبه في الروضة وأصلها : أن مهرها لوارث الموصي . أما أرش البكارة إذا لم نقل بالاندراج فهو للوارث لأنه بدل جزء من البدن . ويحرم على الوارث وطئ الأمة الموصى بمنفعتها إن كانت ممن يحبل ، لما فيه من خوف الهلاك بالطلق والنقصان والضعف بالولادة والحمل ، بخلاف ما إذا كانت ممن لا يحبل ، وقيل : يحرم مطلقا كما في المرهونة . وفرق الأول بأن الراهن هو الذي حجر على نفسه وبأنه متمكن من رفع العلقة بأداء الدين بخلاف الوارث فيهما ، ولا بد على الأول أن لا يعطل زمن الوطئ ما يستحقه الموصى له من المنفعة كما قاله الأذرعي ، فإن وطئ فأولدها فالولد حر نسيب ولا حد عليه للشبهة . وعليه قيمته ، ويشترى بها مثله لتكون رقبته للوارث ومنفعته للموصى له كما لو ولدته رقيقا وتصير أمه أم ولد للوارث تعتق بموته مسلوبة المنفعة ، ويلزمه المهر للموصى له . وكذا يحرم وطؤها على الموصى له بمنفعتها ، فلو وطئها فالولد حر نسيب ، ولا حد كما جزم به في أصل الروضة هنا ، وقال ابن الرفعة : إنه الصحيح ، والأسنوي : إنه أوجه مما جزم به في الوقف أنه يحد كما يحد الموقوف عليه . والفرق أن ملك الموصى له بالمنفعة أتم من ملك الموقوف عليه ، بدليل أنها يورث عنه كما مر ولا كذلك الموقوف عليه . قال الأذرعي : وهذا كله فيما لو أوصى له بمنفعتها أبدا ، أما لو أوصى له بهامدة فالوجه وجوب الحد عليه كالمستأجر اه . والمعتمد كما قال شيخي أنه لا حد مطلقا . ولو أحبلها الموصى له لم يثبت استيلادها لأنه لا يملكها وعليه قيمة الولد بناء على الأصح الآتي من أن الولد المملوك ليس كالكسب ويشترى بها رقيق ، ويكون مثل الأمة رقبته للوارث ومنفعته للموصى له ، وقيل : القيمة للوارث . ويجوز تزويج الموصى بمنفعته ومن يزوجه . قال في الوسيط : أما العبد فيظهر استقلال الموصى له به ، لأن منع العقد للتضرر بتعلق الحقوق بالأكساب وهو المتضرر . وأما الأمة فيزوجها الوارث على الأصح لملكه الرقبة لكن لا بد من رضا الموصى له لما فيه من تضرره اه . وهذا الذي قاله في الأمة يأتي في العبد أيضا ، فالوجه أنه لا بد من رضا الموصى له والوارث في الحالين كما قاله شيخي . ( ولا ولدها ) من نكاح أو زنا ، فلا يملكه الموصى له بمنفعة أمه ( في الأصح ، بل هو كالأم منفعته له ورقبته للوارث ) لأنه جزء من الأم فيجري مجراها . والثاني : يملكه الموصى له كالموقوفة . وفرق الأول بأن الملك في الموقوفة أقوى بدليل أنه يملك الرقبة على قول فقوي الاستتباع بخلافه هنا ، كذا قيل . وهو كما قال شيخنا مردود بأن الموصى له بالمنفعة أبدا قيل فيه إنه يملك الرقبة أيضا ، حكاه الماوردي وغيره . فالأولى أن يفرق بأن الواقف أخرج العين عن ملكه بالوقف على الأصح والموصي لم يخرجها ، وإنما أخرج المنفعة ، لكن المنفعة استتبعت العين في القول المذكور . ( وله ) أي الوارث ( إعتاقه ) أي العبد الموصى بمنفعته ولو مؤبدا ، لأنه مالك لرقبته ، وتبقى الوصية بحالها ، ولا يرجع العتيق عليه بقيمة المنفعة لأنه ملك الرقبة مسلوبة المنفعة ، ولا يصح أن يكاتبه ولا أن يعتقه عن كفارته لعجزه عن