الخطيب الشربيني

60

مغني المحتاج

المستفاد من الشرع وراء هذين القسمين فهم يؤتيه الله للعبد وهو شرعي أيضا . قال العراقي : ومن عرف التفسير دون أحكامه لا يصرف له شئ ، لأنه كناقل الحديث : ( و ) من علم ( حديث ) والمراد به هنا معرفة معانيه ورجاله وطرقه وصحيحه وسقيمه وعليله وما يحتاج إليه . وهو من أجل العلوم بعد القرآن ، فالعالم به من أجل العلماء ، وليس من علمائه من اقتصر على السماع المجرد . ( و ) من علم ( فقه ) المراد به هنا معرفة الأحكام الشرعية نصا واستنباطا ، أي عرف من كل نوع منها شيئا ، قاله ابن الرفعة . والمراد من كل باب من أبواب الفقه دون من عرف طرفا منه كمن عرف أحكام الحيض أو الفرائض وإن سماها الشارع نصف العلم . وخرج بالاستنباط الظاهرية كما قاله ابن سريج وأفتى به القاضي الحسين وغيره . قال الماوردي : لو أوصى لاعلم الناس صرف للفقهاء لتعلق الفقه بأكثر العلوم . وقال شارح التعجيز : أولى الناس بالفقه في الدين نور يقذف هيبته في القلب ، أي من قذف في قلبه ذلك . وهذا القدر قد يحصل لبعض أهل العنايات موهبة من الله تعالى ، وهو المقصود الأعظم بخلاف ما يفهمه أكثر أهل الزمان . فذلك صناعة . ووصف الفقهاء والمتفقهة والصوفية سبق بيانه في الوقف . سئل الحسن البصري عن مسألة فأجاب ، فقيل : إن فقهاءنا لا يقولون ذلك ، فقال : وهل رأيتم فقيها قط ؟ الفقيه هو القائم ليله الصائم نهاره الزاهد في الدنيا الذي لا يداري ولا يماري ، ينشر حكمة الله ، فإن قبلت منه حمد الله تعالى ، وفقه عن الله أمره ونهيه وعلم ما يحبه وما يكرهه ، فذاك هو العالم الذي قيل فيه : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين فإذا لم يكن بهذه الصفة فهو من المغرورين . ولو أوصى لمفسر ومحدث وفقيه فاجتمعت في شخص أعطي بأحدها كنظيره الآتي في قسم الصدقات . واحترز المصنف بعلوم الشرع عن علوم العقل كالطب والحساب والمنطق ، وممن صرح بعدم دخول المنطق الطاوسي في التعليقة ، لكن نقل عن الغزالي أنه جعله من علم الكلام فليكن على الخلاف الآتي . تنبيه : قضية كلامه الحصر في هذه الثلاثة ، وليس مرادا ، بل العلم بأصول الفقه مثلها كما قاله الصيمري وصاحب البيان لابتناء الفقه عليه ، وعد الغزالي في مقدمة المستصفى من العلم الديني علم الباطن يعني علم القلب وتطهيره عن الأخلاق الذميمة . واختلف في الراسخ في العلم فقيل : هو من برت يمينه ، وصدق لسانه ، واستقام قلبه . وقيل : هو من جمع أربع خصال : التقوى فيما بينه وبين الله ، والتواضع فيما بينه وبين الناس ، والزهد فيما بينه وبين الدنيا ، والمجاهدة فيما بينه وبين نفسه . والأصح أنه العالم بتصاريف الكلام وموارد الأحكام ومواقع المواعظ ، لأن الرسوخ الثبوت في الشئ . وعطف على أصحاب المرفوع قوله : ( لا مقرئ وأديب ومعبر وطبيب ) ومنجم وحاسب ومهندس ، فليسوا من علماء الشرع ، لأن أهل العرف لا يعدونهم منهم ، وكذا العالم باللغة والصرف والمعاني والبيان والبديع والعروض والقوافي والموسيقى ونحوها ، قاله في المطالب تبعا لابن يونس . والمراد بالمقرئ التالي ، أما العالم بالروايات ورجالها فكالعالم بطرق الحديث ، واختاره السبكي بعد أن رده من حيث المذهب بأن علم القراءات يتعلق بالألفاظ دون المعاني ، فالعارف به لا يدخل في اسم العلماء ، وبأن التالي قارئ لا مقرئ . قال الماوردي : والمراد بالأدباء النحاة واللغويون . وقد عد الزمخشري الأدب اثني عشر علما . والمراد بالمعبر مفسر المنام ، والأفصح عابر لأنه يقال عبرت بالتخفيف كما قال تعالى : * ( للرؤيا تعبرون ) * ، ومنهم من أنكر التشديد ، وفي الحديث : الرؤيا لأول عابر . والطبيب من يحسن علم الطب . ( وكذا متكلم ) ليس منهم ( عند الأكثرين ) لما ذكر ، ونقله العبادي في زيادته عن النص . وقيل : يدخل ، وبه قال المتولي ومال إليه الرافعي . واقتضى كلامه أن الدليل يقتضي التسوية بينه وبين المحدث والمقرئ ، فإما أن يتساووا في الدخول كلهم أو في الخروج . ولأجل هذا التوقف عدل المصنف عن الأصح إلى قوله عند الأكثرين ، وقال السبكي : إن أريد بعلم الكلام العلم بالله تعالى وصفاته وما يستحيل عليه ليرد على المبتدعة وليميز بين الاعتقاد الصحيح والفاسد ، فذاك من أجل العلوم الشرعية ، والعالم به من أفضلهم ، وقد جعلوه في كتاب السير من فروض الكفايات ، وإن أريد به التوغل في شبهة والخوض فيه على طريق الفلسفة وتضييع الزمان فيه والزيادة على ذلك