الخطيب الشربيني

53

مغني المحتاج

الوصية لم يصح لأنه من صرائح الهبة ووجد نفاذا في موضوعه فلا يكون كناية في الوصية . ( وتنعقد ) الوصية ( بكناية ) بنون مع النية كعبدي هذا لزيد لأنه يحتمل التعيين لها والتعيين للإعارة ، أو عينت هذا له كالبيع وأولى لأنها لا تفتقر إلى القبول في الحال ، فأشبهت ما يستقل به الانسان من التصرفات ، وإنما كان ذلك كناية للتملك بالوصية ( والكتابة ) بالتاء ، ( كناية ) بنون ، فينعقد بها مع النية كما في البيع وأولى ، فإذا كتب لزيد كذا ونوى به الوصية له وأعرب بالنية نطقا أو ورثته بعد موته صحت ، ولو كتب أوصيت لفلان بكذا وهو ناطق ، وأشهد جماعة أن الكتاب خطه وما فيه وصيته ولم يطلعهم على ما فيه لم تنعقد وصيته ، كما لو قيل له : أوصيت لفلان بكذا ؟ فأشار أن نعم ، فإن اعتقل لسانه فوصيته صحيحة بكتابة أو إشارة كالبيع . فرع : لو قال : كل من ادعى بعد موتي شيئا أدوه له ولا تطالبوه بحجة فادعى اثنان بعد موته بحقين مختلفي القدر ولا حجة كان كالوصية يعتبر من الثلث ، فإن ضاق عن الوفاء قسم بينهما على قدر حقهما ، قاله الروياني . ولو قال المريض : ما يدعيه فلان فصدقوه فمات ، فهو إقرار بمجهول وتعيينه للورثة . ( وإن أوصى لغير معين ) بأن أوصى لجهة عامة ( كالفقراء ) أو لمعين غير محصور كالهاشمية والمطلبية ، ( لزمت بالموت بلا ) اشتراط ( قبول ) لتعذره ، ويجوز الاقتصار على ثلاثة منهم ولا تجب التسوية بينهم . تنبيه : أشعر كلامه أنه لو أوصى لفقراء بلدة وكانوا محصورين أنه يشترط قبولهم كالمعين ، وهو كذلك . ( أو ) أوصى ( لمعين ) محصور كزيد ( اشترط القبول ) كالهبة ، فلو قبل بعض الموصى به ففيه احتمالان للغزالي ، ونظيره الهبة ، وقدمت في بابها أنه يصح كما رجحه بعض اليمانيين ، فكذا هنا خلافا لبعض المتأخرين ، والفرق بينهما وبين البيع فيما إذا قبل بعضه حيث لم يصح أن البيع فيه المعاوضة فلم يغتفر فيه ما اغتفر فيهما . تنبيه : دخل في المعين المتعدد المحصور كبني زيد فيتعين قبولهم ، ويجب استيعابهم والتسوية بينهم . ولو كانت الوصية لمحجور عليه قبل له وليه ، والظاهر أنه أراد بالمعين الآدمي ، أما لو كانت لمعين غير آدمي كمسجد فهل نقول ناظر الوقف كالولي أن يكون كالوصية لجهة عامة ؟ قال الأذرعي : لم يحضرني فيه نص والثاني أقرب . وكذا لو أوصى للخيل المسبلة بالثغور ونحو ذلك . وقال ابن الرفعة : لا بد من قبول قيم المسجد فيما نظنه اه‍ . وهذا كما قال شيخي أوجه . وظاهر كلامهم أن المراد القبول اللفظي ، وهو كذلك ، وإن بحث الزركشي الاكتفاء بالفعل وهو الاخذ كالهدية ، قال : وفحل اشتراط القبول من المعين في غير العتق ، فلو قال : أعتقوا عبدي بعد موتي لم يفتقر إلى قبول العبد لأن فيه حقا لله تعالى فكان كالجهة العامة ، ومثله التدبير . وإذا قلنا إنه وصية : أي على رأي ، فإنه يتنجز بالموت من غير توقف على قبول كما قاله الرافعي في الكلام على رهن المدبر . نعم ، لو قال : أوصيت له برقبته ففي افتقار القبول وجهان ، أصحهما نعم لاقتضاء الصيغة القبول ، ذكره الرافعي قبيل المسائل الحسابية . ( ولا يصح قبول ولا رد في حياة الموصي ) إذ لا حق له قبل الموت فأشبه إسقاط الشفعة قبل البيع ، فلمن قبل في الحياة الرد بعد الموت وبالعكس . ويصح الرد بين الموت والقبول لا بعدهما وبعد القبض ، وأما بعد القبول وقبل القبض فالأوجه عدم الصحة كما صححه في الروضة كأصلها ، وقال الأسنوي : إنه المفتى به ، وجرى عليه ابن المقري في روضه ، وإن صحح المصنف في تصحيحه الصحة وقال الأذرعي : إنه الصحيح المنصوص عليه في الأم ، وجرى عليه العراقيون ، وعلله بأن ملكه قبل القبض لم يتم ، قال : ولعل الرافعي تبع البغوي في الترجيح . ( ولا يشترط بعد موته ) أي الموصي ( الفور ) في القبول ، لأن الفور إنما يشترط في العقود الناجزة التي يعتبر فيها ارتباط الايجاب بالقبول ، إذ لو اعتبر لاعتبر عقب الايجاب وللوارث مطالبة الموصى له بالقبول أو الرد ، فإن امتنع حكم عليه بالرد . هذا إذا كان الموصى له مطلق التصرف ، فإن كان محجورا عليه وامتنع الولي من القبول وكان الحظ له فيه ، فالمتجه أن الحاكم