الخطيب الشربيني
50
مغني المحتاج
الثلث فيعطى متفرقا لاحتمال أن يستحقه الوارث . فصل : في بيان المرض المخوف والملحق به المقتضيين للحجز في التبرعات الزائدة على الثلث . وقد شرع في القسم الأول فقال : ( إذا ظننا المرض مخوفا ) أي يخاف منه الموت لا نادرا وإن لم يكن غالبا كما نقلاه عن الإمام وأقراه وإن نازع فيه ابن الرفعة ، ( لم ينفذ ) بفتح الياء وسكون النون وضم الفاء ، ويجوز ضم الياء وفتح النون وتشديد الفاء ، ( تبرع زاد على الثلث ) بل هو موقوف لأنه محجور عليه في الزيادة . تنبيه : استشكل إطلاق المصنف عدم النفوذ بأنه إن كان بالنظر لباطن الامر فلا فرق بأن يظنه مخوفا أو لا ، إذ المناط حينئذ لمرض المخوف لا ظنا . وإن كان بالنظر لظاهر الامر فهو مخالف لقول الأكثرين حيث قالوا : لو أعتق أمة في مرض موته جاز لوليها أن يزوجها لأنها حرة في الظاهر ، ولا اعتبار باحتمال ظهور دين ، فإن تحققنا نفوذ العتق استمرت الصحة ، وإلا فإن أجاز الوارث وقلنا هي تنفيذ ، فكما لو خرجت من الثلث أو رد وأجاز وقلنا هي عطية مبتدأة بان فساد . وقال ابن الحداد : ليس لوليها أن يزوجها فكلامهم هذا إنما يأتي على مقالة ابن الحداد قال الزركشي : وينبغي حمل الوقف في كلامهم على وقف الاستمرار واللزوم لينتظم الكلامان اه . وهو حمل صحيح . ( فإن برأ ) بفتح الراء وكسرها : أي خلص من المرض . ( نفذ ) بفتح النون ، التبرع المذكور : أي استمر نفوذه لتبين عدم الحجر . فإن مات به قال المصنف تبعا للبغوي أو بهدم أو غرق أو قتل أو ترد : لم ينفذ الزائد على الثلث ، هذا كله إذا لم ينته إلى حالة يقطع فيها بموته ، فإن انتهى إلى ذلك بأن شخص بصره - بفتح الشين والخاء : أي فتح عينيه بغير تحريك جفن - وبلغت روحه الحلقوم في النزع . أو ذبح أو شق بطنه وخرجت أمعاؤه أو غرق فغمره الماء وهو لا يحسن السباحة فلا عبرة بكلامه في وصية ولا في غيرها ، فهو كالميت على تفصيل يأتي في الجنايات . / ( وإن ظنناه ) أي المرض ( غير مخوف فمات ) منه ، ( فإن حمل ) الموت من هذا المرض ( على ) موت ( الفجأة ) بضم الفاء وفتح الجيم ممدودا وبفتح الفاء وسكون الجيم مقصورا ، كأن مات وبه وجع ضرس وعين ، ( نفذ ) التبرع ( وإلا ) أي وإن لم يحمل على الفجأة كإسهال يوم أو يومين ، ( فمخوف ) أي تبينا باتصاله بالموت كان مخوفا ، لا أن إسهال يوم أو يومين مخوف ، فلا يتنافى ما يأتي . فإن قيل : المرض إن اتصل بالموت كان مخوفا وإلا فلا فائدة لنا في معرفته . أجيب بأنه لو قتل أو غرق مثلا في هذا المرض إن حكمنا بأنه مخوف لم ينفذ كما مر وإلا نفذ . ( ولو شككنا في كونه ) أي المرض ( مخوفا لم يثبت إلا ب ) - قول ( طبيبين ) عالمين بالطب ( حرين عدلين ) أي مقبولي الشهادة ، لأنه تعلق به حق آدمي من الموصى له والوارث فاشترط فيه شروط الشهادة كغيرها . وقد علم من قوله : طبيبين كونهما عالمين بالطب ، ومن قوله : عدلين كونهما مسلمين مكلفين ، فإنهما من شروط العدالة ، فلا يثبت بنسوة ولا برجل وامرأتين ، لأنها شهادة على غير المال وإن كان المقصود المال . نعم إن كان المرض علة باطنة بامرأة لا يطلع عليها الرجال غالبا ثبت بمن ذكر . تنبيه : أشعر كلام المصنف بقبول شهادتهما في كون المرض غير مخوف ، وهو كذلك كما صرح به الرافعي خلافا للمتولي ، وإن علل ذلك بأنها شهادة نفي ، لأنه نفي محصور . ولو قال الطبيبان : هذا المرض سبب ظاهر يتولد منه مخوف فمخوف ، أو يفضى إلى مخوف نادرا فلا ، ولو اختلف الوارث والمتبرع عليه في كون المرض مخوفا بعد موت المتبرع فالقول قول المتبرع عليه ، لأن الأصل عدم الخوف وعلى الوارث البينة . ولم يعرف المصنف المرض المخوف استغناء بذكر أمثلة منه ذكرها بقوله : ( ومن المخوف قولنج ) بضم القاف وفتح اللام وكسرها ، قال الرافعي : وهو أن ينعقد الطعام في بعض الأمعاء فلا ينزل ويصعد بسببه البخار إلى الدماغ فيؤدي إلى الهلاك ويقال فيه قولون ، وينفعه أمور