الخطيب الشربيني

48

مغني المحتاج

نجز في المرض . واعلم أن قيمة ما يفوت على الورثة يعتبر بوقت التفويت في المنجز وبوقت الموت في المضاف إليه ، فقد صرحوا في باب العتق أنه يعتبر لمعرفة الثلث فيمن أعتقه منجزا في المرض قيمة يوم الاعتاق ، وفيمن أوصى بعتقه قيمة يوم الموت لأنه وقت الاستحقاق ، وفيما بقي للورثة بأقل قيمة من يوم الموت إلى يوم القبض ، لأنه إن كان يوم الموت أقل فالزيادة حصلت في ملك الوارث أو يوم القبض أقل ، فما نقص قبله لم يدخل في يده فلا يحسب عليه ، ومثل ذلك جار في غير العتق . ولو أوصى بتأجيل الحال اعتبر من الثلث ، وللروياني احتمال أنه لا يعتبر إلا التفاوت ، قال الزركشي : وهو قوي . ( وإذا اجتمع ) في وصية ( تبرعات متعلقة بالموت ) وإن كانت مرتبة ، ( وعجز الثلث ) عنها : أي لم يوف بها ، ( فإن تمحض العتق ) كأن قال : إذا مت فأنتم أحرار أو غانم وسالم وبكر أحرار ، ( أقرع ) بينهم ، فمن قرع عتق منه ما يكفي الثلث ، وسيأتي كيفية القرعة في بابي القسمة والعتق إن شاء الله تعالى . ولا يعتق من كل بعضه ، لأن المقصود من العتق تخليص الشخص من الرق ولا يحصل مع التشقيص ، وإنما لم يعتبر ترتبها مع إضافتها للموت لاشتراكها في وقت نفاذها ، وهو وقت الموت ، بل لا يقدم العتق المعلق بالموت على الموصى باعتاقه وإن كان الثاني يحتاج إلى إنشاء عتقه بعد الموت ، بخلاف الأول لأن وقت استحقاقهما واحد . نعم إن اعتبر الموصى وقوعها مرتبة ، كأن قال : إعتقوا سالما بعد موتى ثم غانما ثم بكرا قدم ما قدمه جزما . فإن قيل لو قال : إذا مت فسالم حر ثم غانم ثم نافع لم يقدم الأول ، بل هم سواء كما أفهمه كلام المصنف . أجيب بأن التبرعات فيما مثلوا به اعتبر الموصي وقوعها مرتبة من غيره ، فلا بد أن يقع على وفق اعتباره بخلاف هذا ، ولو دبر عبدا عند موته وأوصى بإعتاق آخر لم يقدم أحدهما . ( أو ) تمحض تبرعات ( غيره قسط الثلث ) على الجميع باعتبار القيمة أو المقدار كما تقسم التركة بين أرباب الديون ، فلو أوصى لزيد بمائة ولبكر بخمسين ولعمر بخمسين وثلث ماله مائة أعطي الأول خمسين وكل من الآخرين خمسة وعشرين ، ولا يقدم بعضها على بعض بالسبق لأن الوصايا إنما تملك بالموت ، فاستوى فيها حكم المتقدم والمتأخر ، وقاسه الشافعي رضي الله تعالى عنه على العول في الفرائض . هذا عند الاطلاق ، فلو رتب كأن قال : أعطوا زيدا مائة ثم عمرا مائة جرى عليه حكم ترتيبه . ( أو هو ) أي اجتمع عتق ( وغيره ) كأن أوصى بعتق سالم ولزيد بمائة ، ( قسط ) الثلث عليهما ( بالقيمة ) للعتيق لاتحاد وقت الاستحقاق ، فإذا كانت قيمته مائة والثلث مائة عتق نصفه ولزيد خمسون . ( وفي قول يقدم العتق ) لقوته لتعلق حق الله تعالى وحق الآدمي . تنبيه : يستثنى من كلامه مسألة ، وهي ما لو دبر عبده وقيمته مائة وأوصى له بمائة وثلث ماله مائة فإنه يعتق كله ولا شئ للوصية على الأصح . وقيل : يقسط ، وصححه البغوي فإن اعتبر الموصى وقوع التبرعات مرتبة بعد الموت ، كأن قال : أعتقوا بكرا ثم أعطوا زيدا مائة قدم الأول فالأول كما مرت الإشارة إليه ، ولو قال لعبده : أنت حر قبل موتي بشهر مثلا ثم مرض شهرا فأكثر ومات ، فحكمه كما لو علقه في الصحة ، فوجدت الصفة في المرض كما قالاه هنا . ( أو ) اجتمع تبرعات ( منجزة ) كأن أعتق ووقف وتصدق ، ( قدم الأول ) منها ( فالأول حتى يتم الثلث ) لقوته ونفوذه ، لأنه لا يفتقر إلى إجازة ، وسواء كان فيها عتق أم لا اتحد جنسها أم لا يتوقف ما بقي منها على إجازة الوارث . ( فإن وجدت ) هذه التبرعات ( دفعة ) بضم الدال : إما منه ، أو بوكالة ، ( واتحد الجنس ) فيها ( كعتق عبيد أو إبراء جمع ) كقوله : أعتقكتم أو أبرأتكم ، ( أقرع في العتق ) خاصة ، حذرا من التشقيص في الجميع ، لخبر مسلم : إن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته ولم يكن له مال غيرهم ، فدعاهم رسول الله ( ص ) فجزأهم أثلاثا وأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة . قال الإمام : ولولا الحديث لكان القياس أن يعتق من كل عبد مقدار ما يخصه من الثلث . ولكن الشافعي تركه للحديث ، لأن القصد من الاعتاق تخليص الرقبة ولا يحصل هذا الغرض مع بقاء رق بعضه .