الخطيب الشربيني
443
مغني المحتاج
ما دون مسافة القصر كالحاضر في البلد . ( ولو تبرع رجل ) مثلا ( بها ) عن زوج معسر ( لم يلزمها القبول ) بل لها الفسخ ، كما لو كان لها دين على إنسان فتبرع غيره بقضائه لا يلزمه القبول لما فيه من المنة . وحكى ابن كج وجها أنه لا خيار لها ، وبه أفتى الغزالي ، لأن المنة على الزوج لا عليها . ولو سلمها المتبرع للزوج ثم سلمه الزوج لها لم يفسخ كما صرح به الخوارزمي . ولو كان المتبرع أبا أو جدا والزوج تحت حجره وجب عليها القبول كما قاله الأسنوي ، وألحق الأذرعي به ولد الزوج وسيده ، قال : ولا شك فيه إذا أعسر الأب وتبرع ولده الذي يلزمه إعفافه . تنبيه : يجوز لها إذا أعسر الزوج وله دين على غيره مؤجل بقدر مدة إحضار مال الغائب من مسافة القصر الفسخ بخلاف تأجيله بدون ذلك ، ولها الفسخ أيضا لكون ماله عروضا لا يرغب فيها ولكون دينه حالا على معسر ، ولو كان الدين عليها ، لأنها في حال الاعسار لا تصل إلى حقها ، والمعسر ينظر ، بخلافها في حال اليسار وبخلاف ما إذا كان دينه على موسر حاضر غير مماطل . ولو غاب المديون الموسر وكان ماله بدون مسافة القصر ، فهل لها الفسخ أو لا ؟ وجهان ، أوجههما الثاني ، وكلام الرافعي يميل إليه ، فإن كان المديون حاضرا وماله بمسافة القصر كان لها الفسخ كما لو كان مال الزوج غائبا . ولا يفسخ بكون الزوج مديونا وإن استغرقت الديون ماله حتى يصرفه إليها . ولا تفسخ بضمان غيره له بإذنه نفقة يوم بيوم بأن تجدد ضمان كل يوم ، وأما ضمانها جملة لا يصح فتنفسخ به . ( وقدرته ) أي الزوج ( على الكسب كالمال ) أي كالقدرة عليه ، فلو كان يكسب كل يوم قدر النفقة لم يفسخ لأنها هكذا تجب ، وليس عليه أن يدخر للمستقبل ، فلو كان يكسب في يوم ما يكفي لثلاثة أيام متصلا ثم لا يكسب يومين أو ثلاثة ثم يكسب في يوم ما يكفي للأيام الماضية فلا فسخ فإنه ليس بمعسر ، ولا تشق الاستدانة لمثل هذا التأخير اليسير . وليس المراد أن يصبرها هذه المدة بلا نفقة ، بل المراد كما قاله الماوردي والروياني وغيرهما أن هذا في حكم الواجد لنفقتها وتنفق مما استدانه لامكان القضاء ، فلو كان يكسب في يوم كفاية أسبوع فتعذر العمل فيه لعارض فسخت لتضررها ، ويكون قدرته على الكسب بمنزلة دين مؤجل له على غيره بقدر ما مر فيه ، ولو امتنع من الكسب مع قدرته عليه لم تفسخ ، كالموسر الممتنع . تنبيه : أفهم كلامه أنه لا يلزمه الكسب للانفاق عليها ، وهو كذلك كما يلزمه لنفقة نفسه ، وأنه لو قدر على تكسب نفقة الموسر لزمه تعاطيه ، ولكن الذي في الروضة وأصلها أوائل هذا الباب أن القدرة على كسب واسع لا يخرجه عن حد الاعسار . وأطلق الشيخان الكسب ، ومحله إذا كان قادرا على كسب حلال ، أما إذا كان الكسب بأعيان محرمة كبيع الخمر أو كان الفعل الموصل الكسب محرما ككسب المنجم والكاهن فهو كالعدم وإن خالف الماوردي والروياني في القسم الثاني . ( وإنما يفسخ ) للزوجة النكاح ( بعجزه ) أي الزوج ( عن نفقة معسر ) حاضرة ، لأن الضرر يتحقق بذلك ، فلو عجز عن نفقة موسر أو متوسط لم ينفسخ لأن نفقته الآن نفقة معسر فلا يصير الزائد دينا عليه ، بخلاف الموسر أو المتوسط إذا أنفق مدا فإنها لا تفسخ ويصير الباقي دينا عليه . فروع : لو وجد الزوج نصف المد بكرة غد وقته ونصفه عشاء كذلك لم تفسخ في الأصح ، ولو وجد يوما مدا ويوما نصف مد كان لها الفسخ ، ولو وجد كل يوم أكثر من نصف مد كان لها الفسخ أيضا كما شملته عبارة المصنف وإن زعم الزركشي خلافه . ( والاعسار بالكسوة كهو ) أي كالاعسار ( بالنفقة ) على الصحيح ، إذ لا بد منها ، ولا يبقى البدن بدونها غالبا وقيل : لا ، لأن الحياة تبقى بدونها . تنبيه : سكت الشيخان عن الاعسار ببعض الكسوة ، وأطلق الفارقي أن لها الفسخ . والتحرير فيها كما قال الأذرعي ما أفتى به ابن الصلاح ، وهو أن المعجوز عنه إن كان مما لا بد منه كالقميص والخمار وجبة الشتاء فلها الخيار ، وإن كان منه بد كالسراويل والنعل وبعض ما يفرش والمخدة فلا خيار ولا فسخ بالعجز عن الأواني ونحوها كما جزم به