الخطيب الشربيني
40
مغني المحتاج
تنبيه : قضية إطلاقهم بطلان وصية المبعض ، قال الأذرعي : ولم أر فيه نصا ، وقياس التوريث عنه الصحة اه . فتصح فيما يستحقه ببعضه الحر لأنه يورث عنه . قال شيخنا : وظاهر أن محله في غير العتق لأن العتق يستعقب الولاء ، والمبعض ليس من أهله اه . والذي يظهر كما قال شيخي الصحة ، لأن الرق ينقطع بالموت ، والعتق لا يكون إلا بعده . ثم شرع في الركن الثاني ، وهو الموصى له ، فقال : ( وإذا أوصى لجهة عامة ، فالشرط ) في الصحة ( أن لا تكون ) الجهة ( معصية كعمارة كنيسة ) للتعبد فيها ولو ترميما ، وكتابة التوراة والإنجيل وقراءتهما ، وكتابة كتب الفلسفة والنجوم وسائر العلوم المحرمة ، ومن ذلك الوصية لدهن سراج الكنيسة تعظيما لها ، أما إذا قصد انتفاع المقيمين والمجاورين بضوئها ، فالوصية جائزة وإن خالف في ذلك الأذرعي . سواء أوصى بما ذكر مسلم أم كافر ، بل قيل : إن الوصية ببناء الكنيسة من المسلم ردة . ولا تصح أيضا الوصية ببناء موضع لبعض المعاصي كالخمارة . وإذا انتفت المعصية فلا فرق بين أن يكون قربة كالفقراء أو بناء المساجد وعمارة قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وألحق الشيخ أبو محمد بها قبور العلماء والصالحين لما فيه من إحياء الزيارة والتبرك بها . أو مباحة لا تظهر فيها القربة كالوصية للأغنياء وفك أسارى الكفار من المسلمين ، لأن القصد من الوصية تدارك ما فات في حال الحياة من الاحسان ، فلا يجوز أن تكون معصية . تنبيه : أطلق المصنف منع الوصية بعمارة الكنيسة ، ومحله في كنيسة للتعبد كما قيدت به كلامه ، أما كنيسة تنزلها المارة أو موقوفة على قوم ليسكنوا بها أو تحمل أجرتها للنصارى فيجوز ، نص عليه في كتاب الجزية . وحكى الماوردي وجها : أنه إن خص نزولها بأهل الذمة حرم ، واختاره السبكي . ولو أوصى ببنائها لنزول المارة والتعبد لم يصح في أحد وجهين يظهر ترجيحه تغليبا للحرمة . ( أو ) أوصى ( لشخص ) أي معين ، ولو عبر به بدلا عن الشخص كما فعل في الوقف لكان أولى ، ليدخل ما إذا تعدد إفراده : كزيد وعمرو وبكر . ( فالشرط ) عدم المعصية كما يؤخذ من التعليل السابق . وخرج بالمعين الوصية لاحد الرجلين فلا تصح نعم إن كان بلفظ العطية ، كأعطوا العبد لاحد الرجلين صح كما حكاه الرافعي عن المهذب والتهذيب وغيرهما ، تشبيها بما إذا قال لوكيله : بعه لاحد الرجلين و ( أن يتصور له الملك ) عند موت الموصي ولو بمعاقدة وليه . وقضية هذا إنها لا تصح لميت ، لكن ذكر الرافعي في باب التيمم : أنه لو أوصى بماء لأولى الناس به وهناك ميت قدم على المتنجس أو المحدث الحي على الأصح ، وهذه في الحقيقة ليست وصية لميت بل لوارثه لأنه هو الذي يتولى أمره . تنبيه : مقتضى هذا التقسيم أنه لا بد من ذكر الموصى له معينا أو عاما ، لكن كلام الرافعي في باب الوقف يقتضي الاتفاق على أنه لا يشترط . وقال في زوائد الروضة هنا : لو قال : أوصيت بثلث مالي لله تعالى صرف في وجوه البر ، ذكره صاحب العدة وقال : هو قياس قول الشافعي . ويؤخذ من اعتبار تصور الملك اشتراط كون الموصى به مملوكا للموصى فتمتنع الوصية بمال الغير ، وهو قضية كلام الرافعي في الكتابة ، لكنه هنا حكي وجهين . قال المصنف : وقياس الباب الصحة ، أي يصير موصى به إذا ملكه قبل موته ، وهو المعتمد وإن نوزع في ذلك . ولو أرسل الوصية ولا شئ له صح كما قاله الرافعي في الركن الخامس من الطلاق ، كالنذر ، وكذا لو علق بملكه له ، كأن قال : أوصيت به لفلان إن ملكته فصير موصى به إذا ملكه ، فإن كان يملك بعضه صحت قطعا . قال القاضي أبو الطيب : ويؤخذ منه أيضا أن الوصية لا تصح لجني ، وبه صرح ابن قدامة الحنبلي لأنه لا يملك بالتمليك ، وهو موافق لمن منع نكاح الجنية ، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى في كتاب النكاح . ثم فرع المصنف على تصور الملك قوله : ( فتصح ) الوصية ( لحمل ) موجود ولو نطفة كما يرث بل أولى لصحة الوصية لمن يرث كالمكاتب . أما لو قال لحملها الذي سيحدث فالأصح البطلان . ( وتنفذ ) بمعجمة ، ( إن انفصل ) الحمل ( حيا ) حياة مستقرة ، فلو انفصل ميتا ولو بجناية فلا شئ له كما لا يرث ( وعلم