الخطيب الشربيني
343
مغني المحتاج
كتاب الايلاء هو لغة : الحلف . قال الشاعر : وأكذب ما يكون أبو المثنى إذا آلى يمينا بالطلاق وكان طلاقا في الجاهلية فغير الشرع حكمه مع عدم استعماله أول الاسلام ، وخصه بالحلف على الامتناع من وطئ الزوجة مطلقا أو أكثر من أربعة أشهر كما سيأتي . والأصل فيه قوله تعالى : * ( للذين يؤلون من نسائهم ) * الآية . وإنما عدي فيها بمن ، وهو إنما يعدى ب على ، لأنه ضمن معنى البعد ، كأنه قال : يؤلون مبعدين أنفسهم من نسائهم . وهو حرام للايذاء ، وليس منه إيلاؤه ( ص ) في السنة التاسعة من نسائه شهرا . وأركانه كما قال الشيخان أربعة : حالف ومدة ومحلوف به ومحلوف عليه ، زاد في الأنوار : وصيغة وزوجة . وقد شرع المصنف في الركن الأول فقال : ( هو حلف زوج ) خرج بذلك السيد والأجنبي كما سيأتي . ويصح من عجمي بالعربية ، ومن عربي بالعجمية إن عرف المعنى كما في الطلاق وغيره . وقوله : ( يصح طلاقه ) خرج به الصبي والمجنون والمكره ، ودخل فيه العبد والحر والمسلم والكافر والخصي والسكران المتعدي بسكره . والمراد أنه يصح طلاقه في الجملة ليدخل ما لو قال : إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا ، وفرعنا على انسداد باب الطلاق فإنه زوج لا يصح طلاقه في هذه الصورة ومع ذلك يصح إيلاؤه . وقوله : ( ليمتنعن من وطئها ) أي وأطلق ، فلو حلف على الامتناع من وطئها في الدبر أو الحيض أو النفاس أو فيما دون الفرج لم يكن موليا ، بل هو محسن لا تتضرر بذلك ولا تطمع في الوطئ فيما ذكر ، ولأنه ممنوع من الوطئ في غير الأخيرة شرعا فأكدا الممنوع منه بالحلف . فإن قال : والله لا أجامعك إلا في الدبر فمول ، أو : إلا في الحيض أو في النفاس ، أو في نهار رمضان ، أو في المسجد وجهان : أحدهما وهو الأوجه أنه مول ، قال الأسنوي : وهو ما جزم به في الذخائر ولا يتجه غيره ، وقال الزركشي : أنه الراجح ، فقد جزم به في الذخائر ، وقال في المطلب : إنه الأشبه . وبه أفتى البغوي في غير صورة النفاس ، لأن الوطئ حرام في هذه الأحوال ، فهو ممنوع من وطئها . ويجب عليها الامتناع وتضرب المدة ثم تطالب بعدها بالفيئة أو الطلاق ، فإن فاء إليها في هذه الأحوال سقطت المطالبة في الحال لزوال المضارة به وتضرب المدة ثانيا لبقاء اليمين ، كما لو طلق المولى بعد المدة ثم راجع تضرب المدة ثانيا لبقاء اليمين . والوجه الثاني : لا يكون موليا ، وبه جزم السرخسي في صورتي الحيض والنفاس ، لأنه لو جامع فيها حصلت الفيئة فاستثناؤه يمنع انعقاد الايلاء . وقوله : ( مطلقا ) نعت لمصدر محذوف ، أي امتناعا مطلقا غير مقيد بمدة ، وفي معناه ما إذا أكد بقوله أبدا . وقوله : ( أو فوق أربعة أشهر ) هو الركن الثاني ، وهو المدة ، خرج به الأربعة فما دونها ، روي عن عمر رضي الله عنه أنه سأل : كم تصبر المرأة ؟ فقيل : شهرين ، وفي الثالث يقل الصبر وفي الرابع ينفذ الصبر . أي إذا نفذ صبرها طالبت ، فلا بد من الزيادة على ذلك . وظاهره أنه يكفي زيادة لحظة لا تسع المطالبة . وهو ما نقله في أصل الروضة عن الإمام وجرى عليه ابن المقري في روضه ، وفي كلام الروياني ما يوافقه . قال البلقيني : وهو عجيب لا يوافق عليه ، والذي يقتضيه نص الشافعي في الام والمختصر أنه لا يكون موليا إلا بالحلف على فوق أربعة أشهر بزمان يتأتى فيه المطالبة . وصرح به الماوردي ، وسبقه إلى نحو ذلك ابن الرفعة . والأولى أن يقال : إن كلام الإمام محمول على إثم الايذاء ، وكلام الماوردي على إثم الايلاء ، ألا ترى أنه لو قال : والله لا أطؤك أربعة أشهر ، فإذا مضت فوالله لا أطؤك أربعة أشهر فإنه ليس بمول كما سيأتي مع أنه يأثم بذلك إثم الايلاء على الراجح في الروضة ؟ تنبيه : ليس هذا الحد مجامع لعدم شموله ما لو قال : ولله لا أطؤك حتى أموت أو تموتي فإنه يكون موليا