الخطيب الشربيني
189
مغني المحتاج
الرافعي أوجه ، ومحل الخلاف في إجبار الكتابية على منع أكل لحم الخنزير إذا كانت تعتقد حله كالنصرانية ، فإن كانت تعتقد تحريمه كاليهودية منعها منه قطعا ( و ) الكتابية ( تجبر هي ومسلمة على غسل ما نجس من أعضائها ) ليتمكن من الاستمتاع بها كما علله الرافعي وعلله الماوردي ، لما يلحقه من المشقة بالتنجيس . وقضية ذلك أنه لا يجوز الاستمتاع بعضو نجس ، والظاهر أن محله إذا كان يتولد منه تنجيس وإلا فلا كما بحثه الأذرعي ، وفي قدر ما يجبرها على الغسل من أكل لحم الخنزير وجهان في الحاوي ، أحدهما : سبعا كولوغه ، والثاني : مرة واحدة لأنه لحق نفسه اه . والأول أوجه . تنبيه : تخصيص المصنف بالأعضاء قد يخرج الثوب ، وليس مرادا ، فقد قال الماوردي : له منعها من لبس ما كان نجسا قطعا ، وفي الروضة : له منعها من لبس جلد الميتة قبل دباغه وليس ما له رائحة كريهة ، وله إجبارها أيضا على التنظيف بالاستحداد وقلم الأظافر وإزالة شعر الإبط والأوساخ إذا تفاحش شئ في ذلك ، وكذا إن لم يتفاحش . وله منعها من أكل ما يتأذى من رائحته كبصل وثوم ، ومن أكل ما يخاف منه حدوث المرض . وله منع الكتابية من شرب ما يسكر ، وكذا من البيع والكنائس كما يمنع المسلمة من شرب النبيذ إذا كانت تعتقد إباحته من القدر الذي يأسكر ، وكذا من غيره ومن المساجد والجماعات . وكالزوج فيما ذكر السيد كما فهم بالأولى . وليس له إجبار أمته المجوسية أو والوثنية على الاسلام لأن الرق أفادها الأمان من القتل . ( وتحرم متولدة من وثني ) أو مجوسي ( وكتابية ) جزما ، لأن الانتساب إلى الأب وهو لا تحل مناكحته . ( وكذا عكسه ) أي متولدة من كتابي ووثنية أو مجوسية ، ( في الأظهر ) تغليبا للتحريم . والثاني : تحل لأنها تنسب للأب . وهذا في صغيرة أو مجنونة ، فإن بلغت عاقلة ثم تبعت دين الكتابي منهما لحقت به فيحل نكاحها ، قاله الشافعي رضي الله عنه ، لأن فيها شعبة من كل منهما لكنا غلبنا التحريم ما دامت تابعة لاحد الأبوين ، فإذا بلغت واستقلت واختارت دين الكتابي قويت تلك الشعبة . وقيل : لا تلحق به ، فلا يحل نكاحها كالمتولدة بين مجوسيين . وتأول قائله النص على ما إذا كان أحد أبويها يهوديا والآخر نصرانيا فبلغت واختارت دين أحدهما ، وصححه الرافعي في أول كتاب الصيد والذبائح . قال الأذرعي : وتأويل النص بما ذكر عجيب ، فقد صورها في الأم بأن أحد أبويها نصراني والآخر مجوسي اه . فالأولى أن يقال النص هنا غير معمول به لما عرف من ذلك في محل آخر اطلع عليه الأصحاب ورجحوه . ( وإن خالفت السامرة ) وهي طائفة تعد من اليهود ، وسميت بذلك لنسبتها إلى أصلها السامري عابد العجل ، ( اليهود ، والصابئون ) وهي طائفة من النصارى سميت بذلك ، قيل : لنسبتها إلى صابئ عم نوح عليه الصلاة والسلام . وقيل : لخروجها من دين إلى دين ، وكان الكفار يسمون الصحابة صابئة لخروجهم عن دينهم إلى الاسلام . ( النصارى في أصل ) أي أصول ( دينهم حرمن ) لكفرهم بكتابهم وإن وافقوهم في الفروع ، ( وإلا ) أي وإن لم يخالفوهم في ذلك بأن علمنا به ، وإن خالفوهم في الفروع ، ( فلا ) يحرمن لأنهم مبتدعة كما في أهل القبلة الصنفين ، فإطلاق الصابئة على من ذكر هو المراد ، ويطلق أيضا على قوم أقدم من النصارى كانوا في زمن إبراهيم عليه السلام ، قيل إنهم كانوا يقولون إن الفلك حي ناطق ، ويقولون بأن الكواكب السبعة هي المدبرة ، فيضيفون الآثار إليها وينفون الصانع المختار ، ووجدوا في زمن الإصطخري والمحاملي وأفتيا بقتلهم لما استفتى القاهر الفقهاء فيهم فبذلوا له أموالا كثيرة فتركهم ، فالبلاء قديم . وظاهر أن هؤلاء لا تحل مناكحتهم ولا ذبيحتهم ولا يقرون بالجزية . تنبيه : ليس في كلام المصنف ما إذا شككنا أن يخالفونهم في الأصول أم الفروع ؟ والمجزوم به في الروضة أنهم لا يناكحون . ( ولو تهود نصراني أو عكسه ) أي تنصر يهودي ، ( لم يقر ) بالجزية ( في الأظهر ) لقوله تعالى : * ( ومن يبتغ