الخطيب الشربيني
131
مغني المحتاج
وقال السبكي : المراد بالشهوة أن يكون النظر لقصد قضاء وطر بمعنى أن الشخص يحب النظر إلى الوجه الجميل ويلتذ به . قال فإذا نظر ليلتذ بذلك الجمال فهو النظر بشهوة وهو حرام . قال : وليس المراد أن يشتهي زيادة على ذلك من الوقاع ومقدماته ، فإن ذلك ليس بشرط بل زيادة في الفسق . قال : وكثير من الناس لا يقدمون على فاحشة ويقتصرون على مجرد النظر والمحبة ويعتقدون أنهم سالمون من الاثم وليسوا بسالمين . ولو انتفت الشهوة وخيف الفتنة حرم النظر أيضا كما حكياه عن الأكثرين ، قال ابن الصلاح : وليس المعنى بخوف الفتنة غلبة الظن بوقوعها . بل يكفي أن لا يكون ذلك نادرا . ( قلت : وكذا بغيرها ) وإن أمن الفتنة ( في الأصح المنصوص ) لأنه مظنة الفتنة ، فهو كالمرأة ، إذ الكلام في الجميل الوجه النقي البدن كما قيد به في المصنف في التبيان ورياض الصالحين وغيرهما ، بل هو أعظم إثما من الأجنبية لأنه لا يحل بحال . وقد ذكر عن أبي عبد الله الجلاء ، قال : كنت أمشي مع أستاذي يوما فرأيت حدثا جميلا فقلت : يا أستاذي ترى أيعذب الله هذه الصورة ؟ فقال : ونظرت ؟ سترى غبه قال : فنسيت القرآن بعد ذلك بعشرين سنة . وسمى السلف الصالح المرد الأنتان لأنهم مستقذرون شرعا . والثاني : لا يحرم ، وإلا لأمر المرد بالاحتجاب كالنساء . وأجيب بأنهم لم يؤمروا بالاحتجاب للمشقة عليهم فيه ، وفي ترك الأسباب اللازمة له ، وعلى غيرهم غض البصر عند توقع الفتنة ، قال السبكي : وهو ظاهر ، وإنما الصعب إيجاب الغض مطلقا كما يقوله المصنف ، ويرده أحوال الناس ومخالطتهم الصبيان من عصر الصحابة إلى الآن مع العلم بأنهم لم يؤمروا بغض البصر عنهم في كل حال كالنساء ، بل عند توقع الفتنة . ونازع في المهمات في العزو للنص ، وقال الصادر من الشافعي على ما بينه في الروضة : إنما هو إطلاق يصح حمله على حالة الشهوة اه . وقال الشيخ أبو حامد : لا أعرف هذا النص للشافعي كما نبه عليه ابن الرفعة ، ولم يذكره البيهقي في معرفته ولا سننه ولا مبسوطه ، وتبعه المحاملي على عدم معرفة النص . وقال البلقيني : ما صححه المصنف لم يصرح به أحد وليس وجها ثانيا ، فإن الموجود في كتب الأصحاب أنه إن لم يخف فتنة لا يحرم قطعا ، فإن خاف فوجهان ، وما ذكره عن النص مطعون فيه ، ولعله وقع للشافعي ذلك عند شهوة أو خوف فتنة ، وأما عند عدم الشهوة وعدم خوف الفتنة فإنه لا يحرم النظر بلا خلاف ، وهذا إجماع من المسلمين ، ولا يجوز أن ينسب إلى الشافعي ما يخرق الاجماع اه . وقال الشارح : لم يصرح هو - أعني المصنف - ولا غيره بحكايتها في المذهب اه . فعلم من هذا كله أن ما قاله المصنف من اختياراته لا أنه المذهب . ومحل الخلاف إذا لم يكن محرما للناظر ولا مملوكا له فإنه لا يحرم نظره إليهما عند الامن وعدم الشهوة بلا خلاف . وحيث قيل بحرمة النظر إليه حرمت الخلوة به ، قال في المجموع في صلاة الجماعة : هذا قياس المذهب فإنها أفحش وأقرب إلى المفسدة . ( والأصح عند المحققين ) الشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيب والمحاملي والجرجاني والعمراني ، قال في الروضة : وهو مقتضى إطلاق الأكثرين ، وهو أرجح دليلا ، ( أن الأمة ) في حرمة النظر إليها ( كالحرة ) في حرمة نظرها مطلقا ( والله أعلم ) لاشتراكهما في الأنوثة إ وخوف الفتنة . ففي الإماء التركيات ونحوهن من خوف الفتنة أشد من كثير من الحرائر . قال البلقيني في تصحيحه : وما ادعاه المصنف أنه الأصح عند المحققين لا يعرف . وهو شاذ مخالف لاطلاق نص الشافعي في عورة الأمة ومخالف لما عليه جمهور أصحابه اه . وهذا ما عليه عمل الناس ، ولكن الأول أحوط لما مر . وما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه من أنه رأى أمة متنقبة فقال : أتتشبهين بالحرائر يالكاع فمحمول على الإماء المبتذلات البعيدات عن الشهوة ، أو أنه رضي الله تعالى عنه قصد نفي الأذى عن الحرائر . لأن الإماء كن يقصدن للزنا ، قال تعالى : * ( ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ) * ، وكانت الحرائر تعرف بالستر فخشي أنه إذا استترت الإماء حصل الأذى للحرائر ، فأمر الإماء بالتكشف ويحترزن في الصيانة من أهل الفجور . ( والمرأة ) البالغة حكمها ( مع المرأة ) مثلها في النظر ، ( كرجل ) أي كنظر رجل ( ورجل ) فيما سبق ، فيجوز مع الامن ما عدا ما بين السرة والركبة ، ويحرم مع الشهوة وخوف الفتنة . ( والأصح تحريم نظر ) كافرة ( ذمية ) أو غيرها ( إلى مسلمة )