الخطيب الشربيني

122

مغني المحتاج

ولو بعث بشئ مع غيره إلى فقير فلم يجده استحب للباعث أن لا يعود فيه بل يتصدق به على غيره . وتسن الصدقة بالماء ، لخبر : أي الصدقة أفضل ؟ قال : الماء ، أي في الأماكن المحتاج إليه فيها أكثر من غيره . ويكره للانسان أن يتملك صدقته أو زكاته أو كفارته أو نحوها من الذي أخذها ، لخبر : العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه ، ولأنه قد يستحي منه فيحابيه ، ولا يكره أن يتملكها من غير من ملكها له ، ولا بالإرث ممن ملكها له . ( ومن عليه دين أو ) لم يكن عليه ( و ) لكن ( له من تلزمه نفقته يستحب ) له ( أن لا يتصدق حتى يؤدي ما عليه ) فالتصدق بدونه خلاف المستحب . تنبيه : عبارة المصنف لا تطابق ما في المحرر وغيره من كتب الشيخين ، فإنهما قالا : لا يستحب له أن يتصدق . قال الولي العراقي : وبين العبارتين تفاوت ظاهر ، وبيانه أن عبارة المصنف أفادت أن عدم التصدق مستحب فيكون التصدق خلاف الأولى ، وعبارة المحرر وغيره أن التصدق غير مستحب فتصدق بأن يكون واجبا أو حراما أو مكروها ، فإن ذلك كله غير مستحب . ( قلت : الأصح تحريم صدقته بما يحتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقته ) أو يحتاج إليه لنفقة نفسه ولم يصبر على الإضافة ، ( أو لدين لا يرجو له وفاء ) لو تصدق به : ( والله أعلم ) أما تقديم ما يحتاجه للنفقة فلخبر : كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ، وابدأ بمن تعول رواه أبو داود بإسناد صحيح ورواه مسلم بمعناه . ولان كفايتهم فرض وهو مقدم على النفل ، والضيافة كالصدقة . كما قاله المصنف في شرح مسلم ، قال : وأما خبر الأنصاري الذي نزل به الضيف فأطعمه قوته وقوت صبيانه ، فمحمول على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين حينئذ إلى الاكل وأما الرجل والمرأة فتبرعا بحقهما وكانا صابرين ، وإنما قال فيه لامهم : نوميهم ، خوفا من أن يطلبوا الاكل على عادة الصبيان في الطلب من غير حاجة . وما ذكر من أنه يحرم عليه التصدق بما يحتاج إليه لنفسه صححه في المجموع ونقله في الروضة عن كثيرين ، لكنه صحح فيها عدم التحريم . قال شيخنا : وهو محمول على من صبر كما أفاده كلامه في المجموع . وعلى الأول يحمل ما قالوه في التيمم من حرمة إيثار عطشان عطشان آخر بالماء ، وعلى الثاني يحمل ما في الأطعمة من أن للمضطر أن يؤثر على نفسه مضطرا آخر مسلما . وأما تقديم الدين فلان أداءه واجب فيتقدم على المسنون ، فإن رجاله وفاء من جهة أخر ظاهرة فلا بأس بالتصدق به إلا إن حصل بذلك تأخير ، وقد وجب وفاء الدين على الفور بمطالبة أو غيرها ، فالوجه وجوب المبادرة إلى إيفائه وتحريم الصدقة بما يتوجه إليه دفعه في دينه كما قاله الأذرعي . ( وفي استحباب الصدقة بما ) أي بكل ما ( فضل عن حاجته ) أي كفايته وكفاية من تلزمه كفايته يومه وليلته كسوة فصله ، لا ما يكفيه في الحال فقط ، لا ما يكفيه في سنته كما هو قضية كلام الاحياء ، ولوفاء دينه . ( أوجه ، أصحها إن لم يشق عليه الصبر ) على الإضافة ( استحب ) له ( وإلا فلا ) يستحب ، بل يكره كما في التنبيه . وعلى هذا التفصيل تحمل الأحاديث المختلفة الظاهر كخبر : إن أبا بكر تصدق بجميع ماله رواه الترمذي وصححه ، وخبر : خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى أي غنى النفس وصبرها على الفقر . رواه أبو داود وصححه الحاكم . والوجه الثاني : يستحب مطلقا ، والثالث : لا يستحب مطلقا . أما الصدقة ببعض ما فضل عما ذكر فمستحب مطلقا إلا أن يكون قدرا يقارب الجميع ، فينبغي جريان التفصيل السابق فيه . والمن بالصدقة حرام مبطل محبط للاجر ، لقوله تعالى : * ( يا أيها الذين امنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) * ، ولخبر مسلم : ثلاثة لا يكلمهم الله تعالى يوم القيامة لا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ، قال أبو ذر : خابوا وخسروا من هم يا رسول الله ؟ قال : المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب . خاتمة : يكره للانسان أن يسأل بوجه الله غير الجنة ، وأن يمنع من يسأل بالله وتشفع به لخبر : لا يسأل بوجه الله إلا الجنة وخبر : من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سأل بالله فأعطوه ، ومن دعاكم فأجيبوه ، ومن صنع لكم معروفا فكافئوه ،