الخطيب الشربيني
110
مغني المحتاج
إليه في نوبته وإلا فلا ، وإنما لم يعط المكاتب من زكاة سيده لعود الفائدة إليه . فإن قيل : لرب الدين أن يعطى غريمه من زكاته فهلا كان هنا كذلك أجيب بأن المكاتب ملك لسيده فكأنه أعطى مملوكه ، بخلاف الغارم . ويعطى المكاتب مع قدرته على كسب ما يؤدي به النجوم . فإن قيل : قد مر أن الفقير والمسكين لا يعطيان حينئذ كما مر ، فهلا كان هنا كذلك أجيب بأن حاجتهما تتحقق يوما بيوم ، والكسوب يحصل كل يوم كفايته ، ولا يمكن تحصيل كفاية الدين إلا بالتدريج ، ولا يزادون على ما يؤدون لعدم الحاجة إليه . ولو استدان المكاتب شيئا فك به رقبته أعطي من سهم الغارمين لا المكاتبين كما نقلاه عن فتاوى البغوي . ولو عجز المكاتب استرد منه ما أخذه إن كان باقيا . وتعلق بدله بذمته إن كان تالفا لحصول المال عنده برضا مستحقه . فلو قبضه السيد رده إن كان باقيا ، وغرم بدله إن كان تالفا . ولو ملكه السيد شخصا لم يسترده منه بل يغرمه السيد . ثم شرع في الصنف السادس ، وهو من لزمه دين ، وهو على ثلاث أضرب : دين لزمه لمصلحة نفسه ، ودين لزمه لتسكين فتنة وهو إصلاح ذات البين ، ودين لزمه لا لتسكينها ، والمصنف أسقط هذا الضرب . ولكنه يؤخذ من مفهوم قوله : استدان لنفسه . وقد بدأ بالضرب الأول من ذلك ، فقال : ( والغارم إن استدان لنفسه ) شيئا يصرفه في غرضها ( في غير معصية ) من طاعة أو مباح ، كحج وجهاد وتزوج وأكل ولبس ، ( أعطي ) ومثله من لزمه الدين بغير اختياره ، كما لو وقع على شئ فأتلفه ، بخلاف المستدين في معصية ، ومثل الرافعي الاستدانة للمعصية بثمن الخمر والاسراف في النفقة . فإن قيل : قد سبق في الحجر عدم تحريم الاسراف في المطاعم ونحوها على الأصح . أجيب بأن المراد هنا إسراف في نفقة بقرض لا يرجو له وفاء بخلافه هناك ، ومثله من لزمه الدين بإتلاف مال الغير عدوانا فلا يعطى : ( قلت : الأصح يعطى ) مع الفقر ( إذا تاب ) عنها ، ( والله أعلم ) لأن التوبة قطعت حكم ما قبلها فصار النظر إلى حال وجودها كالمسافر لمعصية إذا تاب فإنه يعطى من سهم ابن السبيل . قال الرافعي : ولم يتعرضوا هنا لمدة الاستبراء ليظهر حاله ، إلا أن الروياني قال : يعطى إذا غلب على الظن صدقه في توبته فيمكن حملا على إطلاقهم عليه ، قال في المجموع : والظاهر ما قاله الروياني وإن قصرت المدة . والثاني : لا يعطى لأنه ربما اتخذ ذلك ذريعة ثم يعود قال الإمام : ولو استدان لمعصية ثم صرفه في مباح أعطي ، وفي عكسه يعطى أيضا إن عرف قصد الإباحة أو لا ، ولكنه لا يصدق فيه ، والأولى واردة على المصنف واستدراكه لما يفهمه عموم مفهوم الشرط من قوله : إن استدان في غير معصية فإنه يفهم أن المستدين لمعصية لا يعطى مطلقا ، ولهذا نقل في الروضة عن المحرر الجزم بأنه لا يعطى ، ومراده ما اقتضاه عموم المفهوم . ( والأظهر اشتراط حاجته ) أي المستدين بأن لا يقدر على وفاء ما استدانه ، لأنه إنما يأخذ لحاجته كالمكاتب ، فلو وجد ما يقضي به دينه لم يعط . قال الرافعي : ومن المهم البحث عن معنى الحاجة ، وعبارة أكثرهم تقتضي كونه فقيرا لا يملك شيئا وربما صرحوا به . ثم قال : والأقرب قول بعض المتأخرين : لا يعتبر الفقر والمسكنة ، بل لو ملك قدر كفايته ، ولو قضى دينه مما معه تمسكن فيترك له مما معه ما يكفيه ويعطى ما يقضي به باقي دينه ، ووافقه في الروضة والمجموع . تنبيه : قد يفهم كلام المصنف أمرين : أحدهما أنه لو قدر على قضاء دينه بالاكتساب أنه لا يعطى ، والأصح كما في الروضة أنه يعطى لأنه لا يقدر على قضائه إلا بعد زمن وحاجته حاصلة في الحال لثبوت الدين في ذمته ، وقد يقال هو حينئذ محتاج . ثانيهما : عود الخلاف إلى التائب تفريعا على إعطائه ، وليس مرادا ، بل اشتراط الحاجة مجزوم به في هذه الصورة ، والخلاف عائد للاستدانة في غير معصية ( دون حلول الدين ) فلا يشترط في الأظهر كما يشعر به كلامه ، لكن قوله : ( قلت : الأصح اشتراط حلوله ، والله أعلم ) يقتضي أن الخلاف وجهان ، وهو ما في الشرحين والروضة : وإنما لم يعط قبل الحلول لعدم حاجته إليه الآن ، وقد تقدم الفرق بينه وبين المكاتب . ثم شرع في الضرب الثاني ، فقال : ( أو ) أي أو استدان ( لاصلاح ذات البين ) أي الحال بين القوم ، كأن يخاف فتنه بين شخصين أو قبيلتين