الخطيب الشربيني

104

مغني المحتاج

والجراحة في الحرب كالمرض ، وأولى بالاستحقاق من المغمى عليه ، وجهان : أوجههما أنه يسهم له ، لأنه نوع من المرض . ( والأظهر أن الأجير ) الذي وردت الإجارة على عينه مدة معينة لا لجهاد ، بل ( لسياسة الدواب وحفظ الأمتعة ) ونحوها . ( والتاجر المحترف ) كالخياط والبقال ( يسهم لهم إذا قاتلوا ) لشهودهم الوقعة وقتالهم . والثاني : لا ، لأنهم لم يقصدوا الجهاد . أما من وردت الإجارة على ذمته أو بغير مدة كخياطة ثوب فيعطى وإن لم يقاتل . وأما الأجير للجهاد ، فإن كان مسلما فلا أجرة له لبطلان إجازته ، لأنه بحضور الصف تعين عليه ولم يستحق السهم في أحد وجهين قطع به البغوي واقتضى كلام الرافعي ترجيحه ، لا إعراضه عنه بالإجارة ولم يحضر مجاهدا ، ويأتي الكلام على إجارة الذمي . ولو أفلت أسير من يد الكفار أو أسلم كافر أسهم له إن حضر الصف وإن لم يقاتل لشهوده الوقعة ولقصد من أسلم إعلاء كلمة الله تعالى بالاسلام فيقبح حرمانه . وإنما يسهم لكل منهما مما خير بعد حضوره ، فإن كان هذا الأسير من جيش آخر أسهم له إن قاتل ، لأنه قد بان بقتاله قصده للجهاد ، وإن لم يقاتل فكذا في أحد وجهين صححه في الشرح الصغير لشهوده الوقعة . ( وللراجل سهم والفارس ثلاثة ) له سهم وللفرس سهمان للاتباع فيهما ، رواه الشيخان . ومن حضر بفرس يركبه يسهم له وإن لم يقاتل عليه إذا كان يمكنه ركوبه ، لا إن حضر معه ولم يعلم به فلا يسهم له . ولو استعار فرسا أو استأجره أو غصبه ولم يحضر المالك الوقعة أو حضر وله فرس غيره أسهم له لا للمالك ، لأنه الذي أحضره وشهد به الوقعة . أما إذا كان المالك حاضرا ولا فرس له وعلم بفرسه ، أو ضاع فرسه الذي يريد القتال عليه فإنه يستحق سهمه كما علم مما مر . وإن كان معه فرس فلا يستحق سهم المغصوب ولا الضائع لما سيأتي أنه لا يعطى إلا لفرس واحد . ولو ركب شخصان فرسا وشهدا الوقعة وقويت على الكر والفر بهما أعطيا أربعة أسهم ، سهمان لهما وسهمان للفرس ، وإن لم تقو على ذلك فلهما سهمان . ولو قاتلوا في ماء أو حصن وقد أحضر الفارس فرسه أعطي الأسهم الثلاثة ، لأنه قد يحتاج إلى الركوب ، نص عليه . وحمله ابن كج على من بقرب الساحل واحتمل أن يخرج ويركب وإلا فلا معنى لاعطائه سهم الفرس ، وأقراه . تنبيه : هذا كله في غنيمة الكاملين ، فلو انفرد أهل الرضخ بغنيمة خمست وقسم الباقي بينهم بقدر نفقتهم ، ويتبعهم صغار السبي في الاسلام ، فإن حضر معهم كامل فالغنيمة له ويرضخ لهم . ( ولا يعطى ) الفارس ( إلا لفرس واحد ) وإن كان معه أكثر ، لما روى الشافعي وغيره أنه ( ص ) لم يعط الزبير إلا لفرس وكان معه يوم حنين أفراس . ( عربيا كان ) الفرس ( أو غيره ) كالبرذون : وهو ما أبواه أعجميان ، والهجين : وهو ما أبوه عربي دون أمه ، والمقرف بضم الميم وسكون القاف وكسر الراء : عكسه ، لأن الكر والفر يحصل من كل منهما ولا يضر تفاوتهما كالرجال . ( لا لبعير وغيره ) كالبغل والحمار والفيل ، لأنها لا تصلح للحرب صلاحية الخيل له بالكر والفر . واستأنسوا له بقوله تعالى : * ( ومن رباط الخيل ) * فخصها بالذكر . وصوب الشامل عن الحسن البصري أنه يسهم للإبل لقوله تعالى : * ( فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ) * لكن السنة بينت أنه إنما يسهم للخيل ، وأما غيرها ما فيرضخ له . ويفضل الفيل على البغل ، والبغل على الحمار . واختلف في تفضيل البعير على البغل وعكسه ، فقيل : يفضل البعير لما نقل عن الحسن البصري ، وقيل : يفضل البغل ، وجرى عليه في الأنوار ، والأول استظهره شيخنا . وحمل بعضهم كلام من فضل البعير على البغل على الهجين وكلام من عكس على غيره ، وهذا أظهر . والحيوان المتولد بين ما يرضخ له وما يسهم له حكم ما يرضخ له . ولا يدخل الإمام دار الحرب إلا فرسا شديدا ، ( و ) حينئذ ( لا يعطى ) السهم ( لفرس أعجف ) أي مهزول بين الهزال ( وما لا غناء ) بفتح المعجمة وبالمد ، أي لا نفع ( فيه ) كالهرم والكبير لعدم فائدته ، بل هو على صاحبه .