الخطيب الشربيني
406
مغني المحتاج
حتى يأمر صاحبها أن يأكل منها للشاة التي أهديت إليه يعني المسمومة بخيبر ، وهذا أصل لما يفعله الملوك في ذلك ويلحق بهم من في معناهم . فإن قيل : كيف كان النبي ( ص ) يفعل ذلك وقد قال الله تعالى : * ( والله يعصمك من الناس ) * ؟ . أجيب بأن ذلك كان قبل نزول الآية ، أو أن العصمة لا تنافي تعاطي الأسباب ، كما أن إخباره تعالى بأنه يظهره على الدين كله لا ينافي جهاده وأمره بالقتال ، فمن تمام التوكل كما قاله بعض السلف سلوك الأسباب والاعتماد على رب الأرباب . كتاب اللقطة بضم اللام وفتح القاف . وحكى ابن مالك فيها أربع لغات : لقاطة ، ولقطة بضم اللام وسكون القاف ، ولقطة بضم اللام وفتح القاف ، ولقط بفتح اللام والقاف بلا هاء ، ونظمها في بيت ، فقال : لقاطة ولقطة ولقطه * ولقط لاقط قد لقطه ويقال اللقطة بفتح القاف اسم للملتقط بكسرها أيضا . وهي لغة : ما وجد على تطلب ، قال تعالى : * ( فالتقطه آل فرعون ) * . وشرعا : ما وجد في موضع غير مملوك من مال أو مختص ضائع من مالكه سقوط أو غفلة ونحوها لغير حربي ليس بمحرز ولا ممتنع بقوته ولا يعرف الواجد مالكه . فخرج بغير المملوك ما وجد في أرض مملوكة ، فإنه لمالك الأرض إن ادعاه ، وإلا فلمن ملك منه ، وهكذا حتى تنتهي إلى المحي ، فإن لم يدعه فحينئذ يكون لقطة . وبسقوط أو غفلة ما إذا ألقت الريح ثوبا في حجره مثلا أو ألقى في حجره هارب كيسا ولم يعرفه فهو مال ضائع يحفظه ولا يتملكه . وفرقوا بينها وبين المال الضائع ، بأن الضائع ما يكون محرزا بحرز مثله كالموجود في مودع الحاكم وغيره من الأماكن المغلقة ولم يعرف مالكه ، واللقطة ما وجد ضائعا بغير حرز . واشتراط الحرز فيه دونها إنما هو للغالب ، وإلا فمنه ما لا يكون محرزا كما مر في إلقاء الهارب ، ومنها ما يكون محرزا كما لو وجد درهما في أرض مملوكة أو في بيته ولا يدري أو هو له أو لمن دخل بيته ، فعليه كما قال القفال أن يعرفه لمن يدخل بيته . وبغير حربي ما وجد بدار الحرب وليس بها مسلم فهو غنيمة يخمس وليس لقطة ، وما خرج ببقية الحد واضح . ودخل فيه صحة التقاط الهدي ، وفائدته جواز التصرف فيه بالنحر بعد التعريف والموقوف ، وفائدته تملك منافعه بعد التعريف . ويرد عليه ولد اللقطة فإنه ليس بضائع ، والركاز الذي هو دفين الاسلام يصح لقطة وليس مالا ضائعا ، والخمر غير المحترمة فيصح التقاطها ولا مال ولا اختصاص . وإنما ذكر المصنف اللقطة بعد الهبة لأن كلا منهما تمليك بلا عوض ، وذكرهما في التنبيه بعد إحياء الموات لأن كلا منهما تمليك من الشارع ، ولو ذكرت عقب القرض لكان مناسبا ، لأنه يسلك بها مسلكه ، والشرع أقرضه الملتقطة . والأصل فيها قبل الاجماع الآيات الآمرة بالبر والاحسان ، إذ في أخذها للحفظ والرد بر وإحسان ، وخبر الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني . أن النبي ( ص ) سئل عن لقطة الذهب أو الورق ، فقال : أعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة ، فإن لم تعرفها فاستنفقها ولتكن وديعة عند ك ، فإن جاء صاحبها يوما من الدهر فأدها إليه وإلا فشأنك بها ، وسئل عن ضالة الإبل فقال ، ما لك ولها دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها ، وسئل عن الشاة فقال : خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب . وفي الالتقاط معنى الأمانة والولاية من حيث أن الملتقط أمين فيما التقطه والشرع ولاه حفظه كالولي في مال الطفل ، وفيه معنى الاكتساب من حيث أن له التملك بعد التعريف ، وهو المغلب لأنه مآل الامر . وأركانها ثلاثة : التقاط وملتقط بكسر القاف وملتقط بفتحها . وقد شرع في الأول ، فقال : ( يستحب الالتقاط لواثق بأمانة نفسه ) وهو ظاهر نص المختصر لما فيه من البر ، وفي خبر مسلم : والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه .