الخطيب الشربيني

3

مغني المحتاج

إنما هو بيع الأعيان لا بيع المنافع ، لأن بيع المنافع جنس برأسه ، وإذا ثبت أن المنافع لا تسمى مالا حقيقة لم ترد على الحد لأن المجاز لا يدخل في الحدود . فإن قيل : قد نص الشافعي رحمه الله تعالى على أن الإجارة بيع منفعة كما نقله الإسماعيلي في كتاب الاصطلام . أجيب أنه محمول على ضرب من التوسع كما مر لأن المنافع يقدر وجودها لأجل صحة العقد ، وما دخله التقدير لا يكون حقيقة كما يقدر الميت حيا ليملك الدية وتورث عنه . وحده بعضهم بأنه عقد معاوضة مالية يفيد ملك عين أو منفعة على التأبيد فدخل بيع حق الممر ونحوه وخرجت الإجارة بقيد التأقيت فإنها ليست بيعا ، ولهذا لا تنعقد بلفظه كما مر ، والقرض بقيد المعاوضة فإنه لا يسمى معاوضة عرفا ، وعقد النكاح والخلع والصلح عن الدم بقيد الملك ، فإن الزوج لا يملك منفعة البضع وإنما يملك أن ينتفع به ، والزوجة والجاني لا يملكان شيئا ، وإنما يستفيدان رفع سلطنة الزوج ، ومستحق القصاص على أن النكاح خرج بقيد المعاوضة أيضا فإنه لا يسمى معاوضة عرفا . وهذا الحد أولى من الأول لما لا يخفى . والأصل في الباب قبل الاجماع آيات كقوله تعالى : * ( وأشهدوا إذا تبايعتم ) * ، وقوله تعالى : * ( وأحل الله البيع ) * . وأظهر قولي الشافعي أن هذه الآية عامة في كل بيع إلا ما خص بالسنة فإنه ( ص ) نهى عن بيوع ، والثاني : أنها مجملة والسنة مبينة لها . وتظهر فائدة الخلاف في الاستدلال بها في مسائل الخلاف ، فعلى الأول يستدل بها وعلى الثاني لا يستدل ، وأحاديث كحديث : سئل النبي ( ص ) أي الكسب أطيب ؟ فقال : عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور ، أي لا غش فيه ولا خيانة . رواه الحاكم وصححه . وحديث : إنما البيع عن تراض . وأركانه كما في المجموع ثلاثة ، وهي في الحقيقة ستة : عاقد وهو بائع ومشتر ، ومعقود عليه وهو ثمن ومثمن ، وصيغة وهي إيجاب وقبول . وكان الأولى للمصنف أن يقدم الكلام على العاقد ثم المعقود عليه ثم الصيغة ، لكنه بدأ بها كما قال الشارح لأنها أهم للخلاف فيها ، وأولى من ذلك أن يقال لأن العاقد والمعقود عليه لا يتحقق إلا بها ، وعبر عنها بالشرط خلاف تعبيره في المجموع ك الغزالي بأركان البيع ، والتعبير بالركن أولى . نعم قد يراد بالشرط ما لا بد منه فيساوي التعبير بالركن ، فقال : ( شرطه ) أي البيع صيغة ، وهي ( الايجاب ) من البائع ، وهو ما يدل على التمليك بعوض دلالة ظاهرة ، ( كبعتك ) بكذا ( وملكتك ) بكذا ، وهذا مبيع منك بكذا أو أنا بائعه لك بكذا كما بحثه الأسنوي وغيره قياسا على الطلاق ، وكهذا لك بكذا كما نص عليه في الام . تنبيه : عبارة المحرر : كبعتك أو ملكتك ، وهي أولى لأنها تدل على الاكتفاء بأحدهما ، بخلاف عبارة المصنف . ( والقبول ) من المشتري ، وهو ما يدل على التمليك دلالة ظاهرة ، ( كاشتريت وتملكت وقبلت ) ورضيت كما ذكره القاضي حسين عن والد الروياني ، ونعم في الجواب كما سيأتي وتوليت ونحوها ، وبعت على ما نقله في شرح المهذب عن أهل اللغة والفقهاء ، فلا يصح البيع بدون إيجاب وقبول ، حتى إنهما يشترطان في عقد تولي الأب طرفيه كالبيع لماله من طفله وعكسه فلا يكفي أحدهما ، إذ معنى التحصيل غير معنى الإزالة ، وكالطفل المجنون وكذا السفيه إن بلغ سفيها ، وإلا فوليه الحاكم فلا يتولى الطرفين لأن شفقته ليست كشفقة الأب ، فلو وكل الحاكم الأب في هذه الصورة لم يتول الطرفين لأنه نائب عن الحاكم فلا يزيد عليه . وهل للأب أن يبيع مال أحد ابنيه من الآخر وهما تحت حجره ؟ فيه وجهان ، والظاهر منهما الصحة . وإنما احتيج في البيع إلى الصيغة لأنه منوط بالرضا لقوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) * ولقوله ( ص ) : إنما البيع عن تراض صححه ابن حبان . والرضا أمر خفي لا يطلع عليه ، فأنيط الحكم بسبب ظاهر وهو الصيغة ، فلا ينعقد بالمعطاة إذ الفعل لا يدل بوضعه ، فالمقبوض بها كالمقبوض ببيع فاسد ، فيطالب كل صاحبه بما دفع إليه إن بقي ، وببدله إن تلف . وقال الغزالي : للبائع أن يتملك الثمن الذي قبضه إن ساوى قيمة ما دفعه لأنه مستحق ظفر بمثل حقه والمالك راض . هذا في الدنيا وأما في الآخرة فلا مطالبة لطيب النفس بها . واختلاف العلماء فيها نقله في المجموع عن ابن أبي عصرون وأقره قال : وخلاف المعاطاة في البيع يجري في الإجارة والرهن والهبة ونحوها ، قال في الذخائر : وصورة المعاطاة أن يتفقا على ثمن ومثمن ، ويعطيا من غير إيجاب ولا قبول ، وقد يوجد لفظ من أحدهما . واختار المصنف وجماعة منهم المتولي والبغوي الانعقاد بها في كل ما يعده