الخطيب الشربيني

268

مغني المحتاج

إلا هذه الصورة : أي إذا كان ذلك بعد دخول الوقت والتمكن من الذبح ، وإلا فلا ضمان على المعير ولا على المستعير ، لأن يد المعير يد أمانة كالمستأجر ، نبه على ذلك ابن العماد . ( والمستعير من مستأجر إجارة صحيحة ( لا يضمن ) التالف ( في الأصح ) لأنه نائبه وهو لا يضمن . والثاني : يضمن كالمستعير من المالك ، فإن كانت الإجارة فاسدة ضمنا معا ، والقرار على المستعير كما قاله البغوي في فتاويه . فإن قيل : فاسد كل عقد كصحيحه فكان ينبغي هنا عدم الضمان . أجيب بأن الفاسدة ليست حكم الصحيحة في كل ما يقتضيه ، بل في سقوط الضمان بما يتناوله الاذن لا بما اقتضاه حكمها ، والمستعير من الموصى له بالمنفعة الموقوفة عليه حيث يجوز له الإعارة كالمستعير من المستأجر . قال البلقيني : والضابط لذلك أن تكون المنفعة مستحقة لشخص استحقاقا لازما وليست الرقبة له ، فإذا أعار لا يضمن المستعير منه ، وسيأتي حكم المستعير من الغاصب في بابه . ولو استعار فقيه كتابا موقوفا على المسلمين شرط واقفه أن لا يعار إلا برهن بحرز قيمته فسرق من حرزه لا ضمان ، لأنه مستحق تلف في يده بلا تفريط وإن سمي عارية عرفا . قال الماوردي : ولا يجوز أن يؤخذ على العارية رهن ولا ضامن ، فإن شرط فيها ذلك بطلت . ( ولو تلفت دابته في يد وكيل ) له ( بعثه في شغله ، أو ) تلفت ( في يد من سلمها إليه ليروضها ) أي يعلمها المشي من غير تفريط ، ( فلا ضمان ) على واحد منهما ، لأنه لم يأخذها لغرض نفسه بل لغرض المالك . هذا إذا ركبها في الرياضة ، فإن ركبها في غيرها فتلفت ضمن ، وهكذا لو دفع إليه غلامه ليعلمه حرفة فاستعمله في غيرها . ولو أركب المالك دابته منقطعا في الطريق تقربا لله تعالى فتلفت ضمنها سواء التمس الراكب أم ابتدأه المركب ، وإن أردفه فتلفت بغير الركوب فعليه نصف الضمان . ولو وضع متاعه على دابة شخص وقال له : سيرها ففعل فتلفت بغير الوضع ضمنها كسائر العواري ، وإن كان عليها متاع لغيره فتلفت بذلك ضمن منها بقسط متاعه لأنه مستعير منها بقسطه مما عليه حتى لو كان عليها مثل متاعه ضمن نصفها ، فإن سيرها مالكها بغير أمر الواضع فتلفت لم يضمن الواضع لأنها تحت يد مالكها ، بل يضمن المالك متاعه إذ له طرحه عنها . ولو حمل صاحب الدابة متاع شخص بسؤال الشخص فهو معير ، أو بسؤاله هو فهو وديع . ( وله ) أي المستعير ( الانتفاع ) بالمعار ( بحسب الاذن ) لرضا المالك به دون غيره . وقضية كلامه أنه لو أعاره دابة ليركبها إلى موضع ولم يتعرض للكروب في الرجوع أنه لا يركبها في الرجوع ، لكن في الشرح والروضة : أو أخر الإجارة ، عن العبادي : أن له الركوب في الرد ، وأقراه ، بخلاف الدابة المستأجرة إلى موضع فليس له ركوبها في الرجوع على الأصح . والفرق أن الرد لازم للمستعير فالاذن يتناول ركوبها في العود بالعرف ، والمستأجر لا رد عليه ، وإن استعار للكروب إلى موضع فجاوزه ضمن أجرة ذهاب مجاوزته عنه ورجوعه إليه تعذيبه . وهل له الرجوع بها إلى مكانها الذي استعارها منه أو لا ؟ وجهان : أحدهما لا ، لأن الاذن قد انقطع بالمجاوزة فيسلمها إلى حاكم تلك البلد . وثانيهما : نعم ، وهو الأوجه ، وصححه السبكي وتبعه البلقيني . كما لا ينعزل الوكيل عن وكالته بتعديه بجامع أن كلا منهما عقد جائز ، ولا يلزمه على هذا أجرة الرجوع . ونظير ذلك ما لو سافر بواحدة من نسائه بالقرعة وزاد مقامه في البلد الذي مضى إليه قضى الزائد لبقية نسائه ، وفي قضاء الرجوع وجهان : أصحهما الافضاء . ولو أودعه ثوبا مثلا ثم أذن له في لبسه فإن لبسه صار عارية وإلا فهو باق على كونه وديعة . ولو استعار صندوقا فوجد فيه دراهم أو غيرها فهي أمانة عنده ، كما لو طرحت الريح ثوبا في داره فإن أتلفها ولو جاهلا بها أو تلفت بتقصيره ضمنها . ثم شرع في الحكم الثاني ، وهو تسلط المستعير على الانتفاع المأذون فيه ، فقال : ( فإن أعاره ) أرضا ( لزراعة حنطة ) مثلا ، ( زرعها ) لاذنه فيها ( ومثلها ) أو دونها في الضرر ، فإن قال : ازرع البر فله زرع الشعير والباقلاء ونحوهما كالجلبان ( 1 ) والحمص لأن ضررها في الأرض فوق ضرر ما ذكر ، وليس له أن يزرع ما فوقه كالذرة والقطن والأرز . هذا ( إن لم ينهه ) عن غيرها فإن نهاه عنه لم يكن له زرعه تبعا لنهيه ، كما لو قال : ( اشتر بمائة ولا تشتر بخمسين ) ، ولو عين