الخطيب الشربيني
265
مغني المحتاج
يكون أهلا للتبرع عليه بعقد فلا تصح لمن لا عبارة له كصبي ومجنون وبهيمة كما لا تصح الهبة منهم . قال في المهمات : وقضية ذلك صحة استعارة السفيه ، إذ الصحيح صحة قبوله الهبة والوصية ، لكن كيف تصح استعارته مع أنها مضمونة لا جرم جزم الماوردي وغيره بعدم صحتها اه . وقضيته صحتها منه ، ومن المجنون والصبي بعقد وليهما إذا لم تكن مضمونة كأن استعار من مستأجر ، وهو واضح . ثم شرع في شرط الركن الثالث ، فقال : ( و ) شرط ( المستعار كونه منتفعا به ) فلا يعار ما لا ينفع كالحمار الزمن . وأما ما توقع نفعه في المستقبل كالجحش الصغير ، فالذي يظهر فيه أن العارية إن كانت مطلقة أو مؤقتة بزمن يمكن الانتفاع به فيه صحت وإلا فلا ، ولم أر من تعرض لذلك . فإن قيل : يشترط في الإجارة أن يكون النفع موجودا عند العقد . أجيب بأن تلك مقابلة بعوض ، وليس هذه كذلك . وكان ينبغي أن يقول انتفاعا مباحا ليخرج ما ينتفع به انتفاعا محرما كآلات الملاهي فإنه لا تصح إعارته ، وأن تكون منفعة قوية فلا يعار النقدان إذ منفعة التزيين بهما والضرب على طبعهما منفعة ضعيفة قل ما تقصد ومعظم منفعتهما في الانفاق والاخراج ، نعم إن صرح بالتزيين أو الضرب على طبعهما ، أنوى ذلك كما بحثه شيخنا صحت لاتخاذه هذه المنفعة مقصدا وإن ضعفت . وينبغي مجئ هذا الاستثناء في المطعوم بالآتي كما قاله بعض المتأخرين . ( مع بقاء عينه ) كالعبد والثوب ، فلا يعار المطعوم ونحوه ، فإن الانتفاع به إنما هو بالاستهلاك فانتفى المقصود من الإعارة . قال الأسنوي : ويدخل في الضابط ما لو استعار قيم المسجد أحجارا أو أخشابا يبني بها المسجد ، مع أنه لا يجوز كما أفتى به البغوي ، لأن حكم العواري جواز استردادها ، والشئ إذا صار مسجدا لا يجوز استرداده . ( وتجوز إعارة جارية لخدمة امرأة أو ) ذكر ( محرم ) للجارية لعدم المحذور في ذلك ، وفي معنى المرأة والمحرم المسموح وزوج الجارية ومالكها كأن يستعيرها من مستأجرها أو الموصى له بمنفعتها والشيخ الهرم ، وكذا الطفل قياسا على ما سيأتي في غير المشتهاة ، وكذا المريض إذا لم يجد من يخدمه غير المرأة فيجوز إعارة الجارية لخدمته . وخرج بذلك الذكر الأجنبي ، فلا تجوز إعارتها له لخوف الفتنة إلا أن تكون صغيرة لا تشتهى أو قبيحة يؤمن من الأجنبي عليها ، فلا يحرم كما في الروضة لانتفاء خوف الفتنة وإن رجح بعض المتأخرين المنع فيهما . وقال الأسنوي ، الصواب الجواز في الصغيرة دون الكبيرة . قال الزركشي : ويلحق بالمشتهاة الأمرد الجميل لا سيما من عرف بالفجور . قال الأذرعي : وفي جواز إعارة الأمة المسلمة للكافرة الأجنبية منها لخدمتها التي لا تنفك عن رؤيتها معها نظر . وقال الزركشي لا وجه لاستثناء الذمية ، فإنه إنما يحرم نظر الزائد على ما يبدو في المهنة وفيما وراء ذلك يمكن معه الخدمة اه . وهذا أوجه . قال الأسنوي : وسكتوا عن إعارة العبد للمرأة ، وهو كعكسه بلا شك . ولو كان المستعير أو المعار خنثى امتنع احتياطا ، والمفهوم من الامتناع فيه وفي الأمة الفساد كالإجارة للمنفعة المحرمة ، وهو ما بحثه في أصل الروضة وهو المعتمد ، وإن جزم ابن الرفعة بالصحة . فإن قيل : قد صرحوا بجواز إجارة الأمة المشتهاة والوصية بمنافعها للأجنبي فهلا كان هنا كذلك أجيب بأن المستأجر والموصى له يملكان المنفعة فيعيران ويؤجران لمن يخلو بها إن امتنع عليهما الانتفاع بأنفسهما ، والإعارة إباحة له فقط فإذا لم يستبح بنفسه لم يكن له فائدة . ( ويكره ) كراهة تنزيه كما جزم به الرافعي ، ( إعادة ) وإجارة ( عبد مسلم لكافر ) لأن فيها امتهانا ، وقيل : تحرم ، واختاره السبكي . ويكره أن يستعير أو يستأجر أحد أبويه وإن علا للخدمة صيانة لهما عن الاذلال . نعم إن قصد باستعارته واستئجاره لذلك توقيره فلا كراهة فيهما بل هما مستحبان كما قاله القاضي أبو الطيب وغيره في صورة الاستعارة . وأما إعارة وإجارة الوالد نفسه لولده فليستا مكروهتين وإن كان فيهما إعانة على مكروه ، قال القرافي : لأن نفس الخدمة غير مكروهة ، وإنما كانت الكراهة في جانب الولد لمكان الولادة فلم تتعد لغيره بخلاف إعارة الصيد من المحرم ، فإن العبادة يجب احترامها لحق الله تعالى ، وهو شامل لكل مكلف . لو قال : أعرني دابة فقال : أدخل الدار فخذ ما أردت صحت الإعارة ، فإنه لا يشترط تعيين المستعار عند الإعارة ، وخالفت الإجارة