الخطيب الشربيني
22
مغني المحتاج
الربا وقد نهوا عنه ) * يعني في الكتب السابقة . فائدة : روى السبكي وابن أبي بكر أن رجلا أتى مالك بن أنس فقال : يا أبا عبد الله رأيت رجلا سكرانا يتقافز يريد أن يأخذ القمر بيده فقلت امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم شئ أشر من الخمر فقال : ارجع حتى أتفكر في مسألتك فأتاه من الغد فقال : امرأتك طالق ، فإني تصفحت الكتاب والسنة فلم أر شيئا أشر من الربا ، لأن الله تعالى أذن فيه بالحرب ، أي في قوله تعالى : * ( فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) * . وقال عمر رضي الله تعالى عنه : لا يتجر في سوقنا إلا من فقه وإلا آكل الربا . وقال علي رضي الله عنه : من أتجر قبل أن يتفقه ارتطم في الربا ثم ارتطم ثم ارتطم أي وقع وارتبك ونشب . والقصد بهذا الباب بيع الربوي وما يعتبر فيه زيادة على ما مر . ( إذا بيع الطعام بالطعام إن كانا جنسا ) أي الثمن والمثمن ، وفي بعض النسخ : إن كان جنسا واحدا كبر وبر . ( اشترط ) في صحة البيع ثلاثة أمور : ( الحلول ) من الجانبين ، ( والمماثلة والتقابض ) لهما ( قبل التفرق ) ولو وقع العقد في دار الحرب . ( أو ) كانا ( جنسين كحنطة وشعير جاز التفاضل واشترط ) أمران : ( الحلول والتقابض ) لهما قبل التفرق ، قال ( ص ) فيما رواه مسلم : الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ، مثلا بمثل سواء بسواء ، يدا بيد ، فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد أي مقابضة . قال الرافعي : ومن لازمه الحلول - أي غالبا - ولا بد من القبض الحقيقي فلا تكفي الحوالة وإن حصل القبض بها في المجلس . ويكفي قبض الوكيل في القبض عن العاقدين أو أحدهما وهما في المجلس ، وكذا قبض الوارث بعد موت مورثه في المجلس ، بخلاف ما إذا كان العاقد عبدا مأذونا له فقبض سيده أو وكيلا فقبض موكله لا يكفي . واختلف قول الشافعي رضي الله تعالى عنه في علة الربا في المطعومات ، فقال في القديم : الطعم مع التقدير في الجنس بالكيل والوزن فلا ربا فيما لا يكال ولا يوزن كالسفرجل والرمان والبيض ، وفي الجديد ، وهو الأظهر : العلة الطعمية لقوله ( ص ) : الطعام بالطعام فدل على أن العلة الطعم وإن لم يكل ولم يوزن ، لأنه علق ذلك على الطعام وهو اسم مشتق ، وتعليق الحكم على الاسم المشتق يدل التعليل بما منه الاشتقاق . ( والطعام ما قصد للطعم ) بضم الطاء مصدر طعم بكسر العين أي أكل غالبا . وذلك بأن يكون أظهر مقاصده الطعم وإن لم يؤكل إلا نادرا كالبلوط والطرثوث ، وهو نبت يؤكل ، وإن لم يكل ولم يوزن كما مر . ( اقتياتا أو تفكها أو تداويا ) كما تؤخذ الثلاثة من الخبر السابق ، فإنه نص فيه على البر والشعير ، والمقصود منهما التقوت ، فألحق بهما ما في معناهما كالأرز والذرة ، وعلى التمر ، والمقصود منه التفكه والتأدم فألحق به ما في معناه كالتين والزبيب ، وعلى الملح ، والمقصود منه الاصلاح فألحق به ما في معناه كالمصطكي بضم الميم والقصر ، والسقمونيا والطين الأرمني والزنجبيل . ولا فرق بين ما يصلح الغذاء أو يصلح البدن ، فإن الأغذية لحفظ الصحة والأدوية لرد الصحة . وإنما لم يذكر الدواء فيما يتناوله الطعام في الايمان لأنها لا تتناوله في العرف المبنية هي عليه . ولا ربا في حب الكتان - بفتح الكاف وكسرها - ودهنه ودهن السمك لأنها لا تقصد للطعم ، ولا في الطين غير الأرمني كالخراساني لأنه إنما يؤكل سفها ، ولا فيما اختص به الجن كالعظم ، أو البهائم كالتبن والحشيش والنوى ، أو غلب تناولها له وإن قصد للآدميين كما قاله الماوردي وجرى عليه الشارح ، وإن خالف في ذلك بعض المتأخرين ، أما إذا كانا على حد سواء ، فالأصح ثبوت الربا فيه . ولا ربا في الحيوان مطلقا سواء أجاز بلعه كصغار السمك أم لا ، لأنه لا يعد للاكل على هيئته . وقد اشترى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بعيرا ببعيرين بأمره ( ص ) . تنبيه : قوله : قصد أشار به إلى أنه لا ربا فيما لا يجوز أكله ، ولكنه لا يقصد كالعظم الرخو وأطراف قضبان العنب كما قاله صاحب التتمة وغيره ، وكذا الجلود كما قاله في زيادة الروضة ، أي التي لم تؤكل غالبا بأن خشنت وغلظت كما يؤخذ من كلام الماوردي وغيره . ودخل في قوله : تداويا الماء العذب فإنه ربوي مطعوم فلا يرد عليه ، قال تعالى :