الخطيب الشربيني
174
مغني المحتاج
والحاكم وصححه . ولو كان اليتيم ببلد وماله في آخر فالولي قاضي بلد المال لأن الولاية عليه ترتبط بما له كمال الغائبين ، لكن محله في تصرفه فيه بالحفظ والتعهد بما يقتضيه الحال مع الغبطة اللائقة إذا أشرف على التلف . أما تصرفه فيه بالتجارة والاستنماء فالولاية عليه لقاضي بلد اليمين لأنه وليه في النكاح فكذا في المال كما نقله في أصل الروضة عن الغزالي وأقره . قال شيخنا : ووقع للأسنوي عزو ما يخالف ذلك إلى الروضة وأصلها فاحذره . قال الأذرعي : وعلى ما في أصل الروضة فلقاضي بلده العدل الأمين أن يطلب من قاضي بلد ماله إحضاره إليه عند أمن الطريق لظهور المصلحة له فيه ، وليتجر له فيه ثم ، أو يشتري له به عقارا ، ويجب على قاضي بلد المال إسعافه بذلك . وحكم المجنون حكم الصبي في ترتيب الأولياء ، وكذا من بلغ سفيها . تنبيه : قضية تعبيره بالصبي أنه لا ولاية للمذكورين على مال الأجنة ، وصرحا به في الفرائض في الكلام على ميراث الحمل لكن بالنسبة إلى الحاكم فقط ، ومثله البقية . قال الجرجاني : وإذا لم يوجد أحد من الأولياء المذكورين فعلى المسلمين النظر في حال محجورهم وتولي حفظ ماله ( ولا تلي الام في الأصح ) كولاية النكاح . والثاني : تلي بعد الأب والجد وتقدم على وصيهما لكمال شفقتها . وكذا لا ولاية لسائر العصبات كالأخ والعم . نعم لهم الانفاق من مال الطفل في تأديبه وتعليمه وإن لم يكن لهم عليه ولاية لأنه قليل فسومح به ، قاله في المجموع في إحرام الولي عن الصبي . قال شيخنا : ومثله المجنون والسفيه اه . أما السفيه فواضح ، وأما المجنون ففيه نظر . نعم إن حمل على من له نوع تمييز فهو ظاهر ولعله مراده . ( ويتصرف ) له ( الولي بالمصلحة ) وجوبا ، لقوله تعالى : * ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) * وقوله تعالى : * ( وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ) * . وقضية كلامه كأصله أن التصرف الذي لا خير فيه ولا شر ممنوع منه ، إذ لا مصلحة فيه ، وهو كذلك كما صرح به الشيخ أبو محمد والماوردي . ويجب على الولي حفظ مال الصبي عن أسباب التلف واستنماؤه قدر ما تأكله المؤن من نفقة وغيرها إن أمكن ، ولا تلزمه المبالغة . ولو خاف الولي استيلاء ظالم على مال اليتيم فله بذل بعضه لتخليصه وجوبا ، ويستأنس له بخرق السيد الخضر السفينة . وإذا كان للصبي أو السفيه كسب ، أي يليق به ، أجبره الولي على الاكتساب ليرتفق به في ذلك ، وندب أن يشتري له العقار بل هو أولى من التجارة إذا حصل من ريعه الكفاية كما قاله الماوردي ، هذا إن لم يخف جورا من سلطان أو غيره ، أو خرابا للعقار ولم يجد به ثقل خراج . وله أن يسافر بمال الصبي والمجنون وقت الامن ، والتسفير به مع ثقة ولو بلا ضرورة من نحو حريق أو نهب لأن المصلحة قد تقتضي ذلك لا في نحو بحر وإن غلبت السلامة لأنه مظنة عدمها . قال الأسنوي : ولا يركب بالصبي البحر وإن غلبت سلامته كماله . وفرق غيره بأنه إنما حرم ذلك في ماله لمنافاته غرض ولايته عليه في حفظه وتنميته بخلافه هو فيجوز أن يركبه البحر إذا غلبت السلامة ، كما يجوز إركاب نفسه ، والفرق أظهر ، والصواب كما قال الأذرعي عدم تحريم إركاب البهائم والأرقاء والحامل عند غلبة السلامة ، خلافا للأسنوي في الجميع . ( ويبني دوره ) ومساكنه ( بالطين والآجر ) أي الطوب المحرق ، لأن الطين قليل المؤنة وينتفع به بعد النقض والآجر يبقى . ( لا اللبن ) أي الطوب الذي لم يحرق ، ( والجص ) أي الجبس ، لأن اللبن قليل البقاء ويتكسر عند النقض والجبس كثير المؤن ولا تبقى منفعته عند النقض بل يلصق بالطوب فيفسده . تنبيه : قوله : والجص بالواو هي عبارة المحرر والروضة والشرح الصغير ، وعبارة الكبيرة : أو الجص بأو ، وهي أولى لأنها تدل على الامتناع في اللبن سواء أكان مع الطين أم الجص ، وعلى الامتناع في الجص سواء أكان مع اللبن أم الآجر ، وهو كذلك . ويفهم المنع فيما عداهما . والمجنون والسفيه كالصبي فيما ذكر . وما ذكره من اقتصار البناء بالطين والآجر نص عليه الشافعي وجرى عليه الجمهور . واختار كثير من الأصحاب جواز البناء على عادة البلد كيف كان ، واختاره الروياني واستحسنه الشاشي ، والقلب إليه أميل . وفي البيان بعدما نقل ما ذكره المصنف عن النص : وهذا في البلاد التي يعز فيها وجود الحجارة ، فإن كان في بلد توجد فيه الحجارة كانت أولى من الآجر لأنها أكثر بقاء وأقل