الخطيب الشربيني
166
مغني المحتاج
عكسه ، بدليل أن الاحرام مانع من ولاية النكاح ولا يسلب ، ولهذا يزوج الحاكم دون الابعد . ( واعتبار الأقوال ) له وعليه في الدين والدنيا كالاسلام والمعاملات لعدم قصده ، وسكت المصنف عن الافعال . فمنها ما هو معتبر كإحباله وإتلافه مال غيره وتقرير المهر بوطئه ، وترتب الحكم على إرضاعه والتقاطه واحتطابه واصطياده وعمده عمد على الصحيح ، أي : حيث كان له نوع تمييز . ومنها ما هو غير معتبر كالصدقة والهدية ، ولو أحرم شخص ثم جن فقتل صيدا ليلزمه جزاؤه كما مر في بابه ، والصبي كالمجنون في الأقوال والافعال إلا أن الصبي المميز يعتبر قوله في إذن الدخول وإيصال الهدية ، ويصح إحرامه بإذن وليه كما مر في بابه ، وتصح عبادته ، وله إزالة المنكر ويثاب عليه كالبالغ ، قاله في زيادة الروضة في باب الغصب . وأما إسلام سيدنا علي رضي الله تعالى عنه فكان الحكم إذ ذاك منوطا بالتمييز . وألحق القاضي بالمجنون النائم والأخرس الذي لا يفهم . قال الأذرعي : وفيه نظر ، إذ لا يتخيل أحد أن النائم يتصرف عليه وليه ، وأما الأخرس المذكور فإنه لا يعقل ، وإن احتيج إلى إقامة أحد مقامه فينبغي أن يكون هو الحاكم اه . وهو كما قال ، وإنما ألحقه به في عدم صحة تصرفه فلا ولي له مطلقا ، وإن قال بعض المتأخرين : لعل كلام القاضي محمول على نائم أحوج طول نومه إلى النظر في أمره وكان الايقاظ يضره مثلا . ( ويرتفع ) حجر المجنون ( بالإفاقة ) من الجنون من غير احتياج إلى فك ، وقضيته عود الولايات واعتبار الأقوال ، نعم لا تعود ولاية القضاء ونحوه إلا بولاية جديدة . ( وحجر الصبي يرتفع ببلوغه رشيدا ) لقوله تعالى : * ( وابتلوا اليتامى ) * الآية ، والابتلاء الاختبار والامتحان ، والرشد ضد الغي كما مر في خطبة الكتاب ، وفي سنن أبي داود : لا يتم بعد الاحتلام والمراد من إيناس الرشد العلم به . وأصل الايناس الابصار ، ومنه : * ( آنس من جانب الطور نارا ) * : أي أبصر . تنبيه : قوله : رشيدا عبر به جماعة ، ومنهم من قال بالبلوغ . قال الشيخان : ليس هذا اختلافا محققا بل من قال بالأول أراد الاطلاق الكلي ، ومن قال بالثاني أراد حجر الصبا ، وهذا أولى لأن الصبا سبب مستقل بالحجر ، وكذا التبذير وأحكامهما متغايرة ، ومن بلغ مبذرا فحكم تصرفه حكم تصرف السفيه لا حكم تصرف الصبي اه . قال الأسنوي : كلام الكتاب لا يستقيم إن قرئ بلفظ الصبا بكسر الصاد وإن قرئ بفتحها استقام ، لكنه بعيد عن كلامه اه . قال ابن شهبة : والمحفوظ قراءته بفتحها ولا بعد فيه فليتأمل اه . ولو بلغ وادعى الرشد وأنكره وليه لم ينفك الحجر عنه ، ولا يحلف الولي كالقاضي والقيم بجامع أن كلا أمين ادعى انعزاله ، ولان الرشد يوقف عليه بالاختبار فلا يثبت بقوله . قال الأذرعي : ولان الأصل يعضد قوله ، بل الظاهر أيضا ، لأن الظاهر في قريب العهد بالبلوغ عدم الرشد ، فالقول قوله في دوام الحجر إلا أن تقوم بينة بالرشد . ( والبلوغ ) يحصل إما ( باستكمال خمس عشرة سنة ) قمرية كما صرح به في المحرر ، تحديدية كما قاله المصنف في الأصول والضوابط ، وكما يؤخذ من كلامه الآتي لخبر ابن عمر : عرضت على النبي ( ص ) يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني ولم يرني بلغت ، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني ورآني بلغت رواه ابن حبان وأصله في الصحيحين ، وابتداؤها من انفصال جميع الولد . والمراد بقول ابن عمر : وأنا ابن أربع عشرة سنة ، أي طعنت فيها ، وبقوله : وأنا ابن خمس عشرة سنة ، أي استكملتها ، لأن غزوة أحد كانت في شوال سنة ثلاث ، والخندق كان في جمادى سنة خمس . فائدة : قال القمولي : قال الشافعي : رد النبي ( ص ) سبعة عشر من الصحابة وهم أبناء أربعة عشر لأنه لم يرهم بلغوا ، ثم عرضوا عليه وهم أبناء خمسة عشر فأجازهم ، منهم زيد بن ثابت ورافع بن خديج وابن عمر . ( أو خروج المني ) لوقت إمكانه من ذكر أو أنثى ، لقوله تعالى : * ( وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا ) * ، ولخبر : رفع القلم عن ثلاث : عن الصبي حتى يحتلم . والحلم الاحتلام ، وهو لغة ما يراه النائم ، والمراد به هنا خروج المني في نوم أو يقظة بجماع أو غيره ، وقيل : لا يكون في النساء لأنه نادر فيهن .