الخطيب الشربيني
129
مغني المحتاج
عقد أمانة فالغرض منه التوثق وهو لا ينافي الضمان ، بدليل ما لو رهنه شيئا فتعدى فيه فإنه لا يبطل الرهن ، وكذا لا يبرأ المستعير بالرهن وإن منعه المعير الانتفاع لما مر ، ويجوز له الانتفاع بالمعار الذي ارتهنه لبقاء الإعارة ، وإن رجع المعير فيه امتنع ذلك عليه ، وللغاصب إجبار الراهن على إيقاع يده عليه ليبرأ من الضمان ثم يستعيره منه بحكم الرهن ، وليس للراهن إجباره على رد المرهون إليه ليوقع يده عليه ثم يستعيره ( ويبرئه ) عن الغصب منه المرتهن بحكم الرهن إذ لا غرض له في براءة المرتهن ( الايداع في الأصح ) لأن الايداع ائتمان ، وهو ينافي الضمان ، بدليل أنه لو تعدى في الوديعة لم يبق أمينا بخلاف الرهن . والثاني : لا يبرئه كالرهن ، ورد بما مر . ولو أبرأ الغاصب من ضمان المغصوب وهو باق لم يبرأ لأن الأعيان لا يبرأ منها ، إذ الابراء إسقاط ما في الذمة أو تمليكه . وكذا لو أبرأه عن ضمان ما يثبت في ذمته بعد تلفه لأنه إبراء عما لم يجب . ولو أجره المغصوب أو قارضه فيه أو وكله في التصرف فيه أو زوجه إياه لم يبرأ لما علم مما مر في رهنه منه . نعم إن تصرف في مال القراض أو فيما وكل فيه برئ لأنه سلمه بإذن مالكه وزالت عنه يده ، وكذا كل من كانت يده يد ضمان كالمستعير والمستام . وقد علم مما تقرر أن هذا الحكم لا يختص بالارتهان ولا بالغصب . ( ويحصل الرجوع عن الرهن قبل القبض بتصرف يزيل الملك كهبة مقبوضة ) وبيع وإعتاق لزوال محل الرهن ، ( وبرهن مقبوض وكتابة ) لتعلق حق الغير به . تنبيه : تقييده تبعا للرافعي الهبة والرهن بالقبض يقتضي أن ذلك بدون قبض لا يكون رجوعا ، وهو موافق لتخريج الربيع وتنظيره في الأصح . والذي نقله السبكي وغيره عن النص : أنه رجوع ، وهو المعتمد ، وقال الأذرعي : والصواب على المذهب حذف لفظ القبض في الهبة والرهن جميعا لأنها زيادة موهمة . وقضية إطلاق المصنف تبعا لغيره الكتابة أنه لا فرق فيها بين الصحيحة والفاسدة في الجزم بها ، وإلحاق الفاسد بالتدبير في جريان الخلاف أشبه لأنها تعليق عتق بصفة . ( وكذا تدبير ) يحصل به الرجوع ( في الأظهر ) لأن مقصوده العتق ، وهو مناف للرهن . والثاني : لا ، لأن الرجوع عن التدبير ممكن . ( وبإحبالها ) منه أو من أبيه كما في فتاوى القاضي لتعلق العتق به . ( لا الوطئ ) بغير إحبال وإن أنزل وكانت ممن تحبل لأنه ليس سببا لزوال الملك . ( و ) لا ( التزويج ) إذ لا تعلق له بمورد الرهن ، سواء أكان المزوج عبدا أم أمة ، بل رهن المزوج ابتداء صحيح كالإجارة ، ولو حل الدين المرهون قبل انقضائها ، لأن رهن المؤجر وبيعه صحيحان . ( ولو مات العاقد ) الراهن أو المرتهن ، ( قبل القبض ) للمرهون ، ( أو جن ) أو أغمي عليه ، ( أو تخمر العصير أو أبق العبد ) قبل القبض فيهن أيضا ، ( لم يبطل الرهن في الأصح ) أما الموت فلان مصير الرهن إلى اللزوم فيتأثر بموته كالبيع في زمن الخيار ، ووجه مقابله أنه جائز كالوكالة . وعلى الأول يقوم وارث الراهن مقامه في الاقباض ووارث المرتهن مقامه في القبض . وأما الاغماء والجنون فمرتبان على الموت ، فإن قلنا لا يبطل ثم ، فهنا أولى ، وإلا فوجهان ، وعلى الأصح يقوم من ينظر في مال المجنون مقامه في القبض والاقباض . والمغمى عليه تنتظر إفاقته ، وحجر الفلس أو السفه على أحدهما كالجنون على المذهب ، وأما في التخمر والإباق فبالقياس على ما لو كان بعد القبض لاغتفار ما يقع في الدوام ، ووجه مقابله اختلاله في حال ضعف الرهن وعدم لزومه . وعلى الأول يبطل حكم الرهن للعصير ولو بعد القبض ما دام متخمرا لخروجه عن المالية ، فإن تخلل عاد رهنا كما عاد ملكا . وللمرتهن الخيار في البيع المشروط فيه الرهن سواء تخلل أم لا إن كان قبل القبض لنقصان الخل عن العصير في الأول ، وفوات المالية في الثاني ، أما بعد القبض فلا خيار له لأنه متخمر في يده ، فلو قبضه خمرا وتخلل استأنف القبض لفساد القبض الأول بخروج العصير عن المالية لا العقد لوقوعه حال المالية ، ولا بطلان قطعا في الموت أو الجنون أو الإباق بعد القبض . ولو ماتت الشاة المرهونة في يد الراهن أو المرتهن فدبغ المالك