الخطيب الشربيني
117
مغني المحتاج
ولا يحبس . ( ولا يطالبه بقيمته للحيلولة على الصحيح ) لامتناع الاعتياض عنه كما مر ، لكن له الفسخ واسترداد رأس المال كما لو انقطع المسلم فيه . ( وإن ) أحضره المسلم إليه في غير محل التسليم ف ( - امتنع ) المسلم ( من قبوله هناك لم يجبر ) على قبوله ، ( إن كان لنقله ) إلى محل التسليم ( مؤنة ، أو كان الموضع ) المحضر فيه أو الطريق ( مخوفا ) لتضرره بذلك ، فإن رضي بأخذه لم تجب له مؤنة النقل ، بل لو بد لها لم يجز له قبولها لأنه كالاعتياض . ( وإلا ) بأن لم يكن لنقله مؤنة ولا كان الموضع أو الطريق مخوفا ، ( فالأصح إجباره ) على قبوله لتحصل له براءة الذمة . والخلاف مبني على القولين السابقين في التعجيل قبل الحلول لغرض البراءة ، وقد مر تعليلهما . فصل : في القرض : وهو بفتح القاف أشهر من كسرها ، ومعناه القطع ، ويطلق اسما بمعنى الشئ المقرض ومصدرا بمعنى الاقراض . ( الاقراض ) وهو تمليك الشئ على أن يرد بدله . وسمي بذلك لأن المقرض يقطع للمتقرض قطعة من ماله ، وتسميه أهل الحجاز سلفا . ( مندوب ) إليه بقوله تعالى : * ( وافعلوا الخير ) * ، وقوله ( ص ) : من نفس عن أخيه كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه رواه مسلم . وفي صحيح ابن حبان عن ابن مسعود : من أقرض مسلما درهما مرتين كان له كأجر صدقة مرة . فإن قيل : يعارض هذا ما روى ابن ماجة عن انس أن النبي ( ص ) قال : أرأيت مكتوبا على باب الجنة ليلة أسري بي : الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر ، فقلت : يا جبريل ما بال القرض أفضل من الصدقة ؟ قال : لأن السائل قد يسأل وعنده والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة . أجيب بأن الحديث الأول أصح لأن هذا تفرد به زيد بن خالد الشامي وهو ضعيف عند الأكثرين . وقال ابن عمر : الصدقة إنما يكتب لك أجرها حين تتصدق بها ، وهذا يكتب لك أجره ما كان عند صاحبه . نعم قد يجب لعارض كالمضطر ، وقد يحرم كما إذا غلب على ظنه أنه يصرفه في معصية ، وقد يكره كما إذا غلب على ظنه أنه يصرفه في مكروه . وفي الروضة في باب الشهادات أنه إنما يجوز الاقتراض لمن علم من نفسه القدرة على الوفاء إلا أن يعلم المقرض أنه عاجز عن الوفاء . ولا يحل له أن يظهر الغنى ويخفي الفاقة عند القرض ، كما لا يجوز إخفاء الغنى وإظهار الفاقة عند أخذ الصدقة . تنبيه : كان ينبغي للمصنف أن يقول : مندوب إليه كما قدرته في كلامه ، وصرح به صاحب التنبيه ، وكذا في المحكم وغيره ، لكن المعروف جره باللام ، تقول : ندبته لكذا فانتدب له ، ذكره الجوهري . أما المندوب فهو الشخص نفسه . وأركانه : صيغة وعاقد ومعقود عليه كالبيع . وبدأ بالأول منها فقال : ( وصيغته ) أي إيجابه : ( أقرضتك أو أسلفتك ) هذا ( أو خذه بمثله أو ملكتكه على أن ترد بدله ) أو خذه واصرفه في حوائجك ورد بدله كما في أصل الروضة ، وأسقطه المصنف للاستغناء عن واصرفه في حوائجك . وتقدم في البيع أن خذه بكذا أو نحوه كناية فيه فيأتي مثله هنا . ولو اقتصر على ملكتك فهو هبة في الظاهر ، والقول في ذكر البدل فيما لو اختلفا فيه قول الآخذ بيمينه ، لأن الأصل عدم ذكره والصيغة ظاهرة فيما ادعاه ، وبهذا فارق ما لو اختلفا في كون العقد بيعا أو هبة حيث يحلف كل على نفي دعوى الآخر . ( ويشترط قبوله ) أي الاقراض ( في الأصح ) كسائر المعاوضات . وشرط القبول الموافقة في المعنى كالبيع ، فلو قال : أقرضتك ألفا فقبل خمسمائة أو بالعكس لم يصح ، وإن فرق بعضهم بأن المقرض متبرع فلا يضر قبول بعض المسمى أو الزائد عليه ، نعم القرض الحكمي كالاتفاق على اللقيط المحتاج وإطعام الجائع وكسوة العاري لا يفتقر إلى إيجاب وقبول . والثاني : لا يشترط ، لأن القرض مكرمة وإباحة إتلاف بشرط الضمان ، وظاهر أن الالتماس من المقرض كاقترض مني يقوم مقام الايجاب ، ومن المقترض