ابن حزم
3
المحلى
أو على عتق خادمي فلانة ان كلمت فلانا أو ان زرت فلانا ، فكل هذا لا يلزم الوفاء به ولا كفارة فيه إلا الاستغفار فقط ، فان قال : لله علي نذر ولم يسم شيئا فليس عليه الا كفارة يمين فقط ، وقال قوم : ما خرج من هذا مخرج اليمين فعليه الوفاء به ، وقال آخرون : ما خرج من هذا مخرج اليمين فليس فيه إلا كفارة يمين * قال أبو محمد : برهان صحة قولنا أما المنع من النذر فلما رويناه من طريق سفيان ( 1 ) وشعبة كلاهما عن منصور عن عبد الله بن مرة ( 2 ) عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ( انه نهى عن النذر وقال : إنه لا يرد شيئا ولكن يستخرج به من البخيل ) هذا لفظ سفيان ، ولفظ شعبة ( انه لا يأتي بخير ) مكان ( انه لا يرد شيئا وانه يستخرج به من البخيل ) ( 3 ) واتفقا في غير ذلك ، وصح أيضا مسندا من طريق أبي هريرة ( 4 ) ، ورينا من طريق سفيان بن عيينة عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ( انه سمع أبا هريرة يقول : لا أنذر أبدا ) وهذا يوجب ما قلنا : من أنه منهى عنه فإذا وقع لزم واستخرج به من البخيل ، وأيضا قول الله تعالى : ( يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا ) وقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) وقوله تعالى : ( ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ) وقوله تعالى : ( قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق ) فصح بهذا كله ان كل ما نهى الله تعالى عنه فلا يحل لاحد أن يفعله فصح من هذا ان من نذره فقد نذر ان يعصى الله عز وجل وقد نهاه الله تعالى عن معصيته فقد صح يقينا ( 5 ) ان النذور والعقود التي أمر الله تعالى بالوفاء بها إنما هي نذر الطاعة فقط وليس نذر الطاعة إما ما ذكرنا
--> ( 1 ) رواية سفيان عن منصور هي في صحيح البخاري ج 8 ص 224 وص 253 وهي في صحيح مسلم أيضا ج 2 ص 13 ورواية شعبة عن منصور في صحيح مسلم ج 2 ص 12 ( 2 ) في الأصول كلها ( عن عمرو بن مرة ) وهو غلط صححناه من تهذيب التهذيب وصحيحي البخاري ومسلم ( 3 ) قال الخطابي : معنى نهيه عليه السلام عن النذر إنما هو تأكيد لامره وتحذير عن التهاون به بعد ايجابه ، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك ابطال حكمه واسقاط لزوم الوفاء به إذ كان بالنهي عنه قد صار معصية فلا يلزم الوفاء به وإنما وجه الحديث انه قد أعلمه ان ذلك امر مما لا يجلب لهم في العاجل نفعا ولا يدفع عنهم ضرا فلا يرد شيئا قضاه الله تعالى يقول : لا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئا لم يقدره الله لكم أو تصرفون عن أنفسكم شيئا جرى القضاء به عليكم فإذا فعلتم ذلك فأخرجوا عنه بالوفاء به فان الذي نذرتموه لازم لكم هذا معنى الحديث ووجه قوله عليه السلام ( إنما يستخرج به من البخيل ) فثبت بذلك وجوب استخراجه من ماله ولو كان غير لازم له لم يجز ان يكره عليه والله أعلم ، وقد ذكر هذا العلامة ابن الأثير في النهاية ولم يعزه إلى الخطابي تنبه لذلك ( 4 ) هو في صحيح مسلم ج 2 ص 12 ( 5 ) في النسخة رقم 16 ( فصح يقينا ) باسقاط لفظ ( قد ) .