ابن حزم

282

المحلى

برهان ذلك خروجه عليه السلام عنها للجهاد وأمره الناس بالخروج معه والوعيد على من تخلف بالمدينة لغير عذر هذا مالا شك فيه ، وكذلك بعثته عليه السلام أصحابه إلى اليمن . والبحرين . وعمان للدعاء إلى الاسلام . وتعليم القرآن . والسنن وهو عليه السلام يقول : ( الدين النصيحة ) فبلا شك أنه قد نصحهم في اخراجهم لذلك ، فصح قولنا : وبطل أن يكون لهم متعلق في هذا في دعواهم فضل المدنية على مكة * وأما قوله عليه السلام ( لا يخرج أحد منهم رغبة عنها ) فهذا الحق وعلى من يرغب ؟ ؟ المدينة لعنة الله فما هو بمسلم ، وكذلك بلا شك من رغب عن مكة وليس في هذا فضل لها على مكة ومنها قوله عليه السلام : ( أمرت بقرية تأكل القرى ) وهذا إنما فيه ان من المدينة تفتح الدنيا وليس في هذا فضل لها على مكة وقد فتحت خراسان . وسجستان . وفارس . وكرمان من البصرة وليس ذلك دليلا على فضل البصرة على مكة * ومنها قوله عليه السلام ( إن الايمان يأرز ( 1 ) إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها ) وهذا ليس فيه فضلها على مكة وإنما هو خبر عن وقت دون وقت بلا شك * وبرهان ذلك أنه عليه السلام لا يقول : الا الحق وهو اليوم بخلاف ذلك فوا حزناه ووا أسفاه وما الاسلام ظاهرا الا في غيرها ونسأل الله اعادتها إلى أفضل ما كانت عليه بعده عليه السلام ، وقد جاء هذا الخبر بزيادة كما رويناه من طريق مسلم نا محمد بن رافع نا شبابة بن سوار نا عاصم - هو ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب - عن أبيه عن جده عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ان الاسلام بدا غريبا وسيعود غريبا كما بدا وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى حجرها ( 2 ) ) ففي هذا أن الايمان يأرز بين مسجد مكة ومسجد المدينة * ومنها حديث أنس ( أن رسول الله عليه السلام كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جدرات ( 3 ) المدينة أو ضع راحلته من حبها ) ، وهذا ليس فيه إلا أنه عليه السلام كان يحبها ونعم هذا حق وليس فيه أنه كان يحبها أكثر من حبه مكة ولا أنها أفضل من مكة * ومنها قوله عليه السلام : ( لا يكيد أحد أهل المدينة إلا أنماع ( 4 ) كما ينماع الملح في الماء ) * ومنها قوله عليه السلام ( لا يريد أحد أهل المدينة بسوء الا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء ومن أخاف أهل المدينة أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة

--> ( 1 ) قال في الغريبين أي ينضم إليها ويجتمع بعضها إلى بعض فيها يقال ارزت الحية تأرز اروزا ، وكذلك قال صاحب النهاية ( 2 ) في صحيح مسلم ج 1 ص 52 في جحرها ( 3 ) هو بضمتين جمع جدر جمع جدار افاده صاحب مجمع البحار ، وقوله بعد ( أوضع راحلته ) أي حملها على سرعة السير ( 4 ) قال في النهاية : ماع الشئ يميع وان ماع إذا ذاب وسال