ابن حزم

264

المحلى

فان نذر ان يحج ماشيا فليمش من الميقات حتى يتم حجه ، ومن نذر أن يركب في ذلك فعليه أن يركب ولابد لقول الله تعالى : ( يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ) فالمشي والركوب إلى كل ما ذكرنا طاعة لله عز وجل * روينا من طريق مالك عن طلحة بن عبد الملك ( الأيلي ) ( 1 ) عن القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين قالت قال رسول الله عليه السلام : ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر ان يعصى الله فلا يعصه ) ، ( 2 ) وقال تعالى : ( يوفون بالنذر ) وقال تعالى : ( أوفوا بالعقود ) فإنما أمر تعالى بالوفاء بعقود الطاعة لا بعقود المعاصي ، وقال قوم : لا يمشى الا في حج ، أو عمرة * قال أبو محمد : وهذا خطأ لأنه الزام ما لم ينذره عل نفسه بغير قرآن . ولا سنة ، وقال مالك : ان نذر المشي إلى المسجد ، أو إلى الكعبة ، أو إلى الحرم لزمه فان نذر إلى عرفة ، أو إلى مزدلفة ، أو منى ، أو الصفا والمروة لم يلزمه ، وهذا تقسيم بلا برهان * روينا من طريق البخاري نا محمد بن سلام نا الفزاري عن حميد الطويل أخبرني ثابت - هو البناني - عن أنس عن النبي عليه السلام ( أنه رأى شيخا يهادى بين بنيه فقال : ما بال هذا ؟ قالوا : نذر ان يمشى قال : إن الله لغنى عن تعذيب هذا نفسه وأمره ان يركب ) ( 3 ) فلم يوجب عليه النبي عليه السلام شيئا لركوبه ، وقال تعالى : ( لا يكلف الله نفسا الا وسعها ) فمن ليس المشي في وسعه فلم يكلفه الله تعالى المشي ، وكان نذره لما ليس في وسعه معصية لا يجوز له الوفاء بها * قال على : الفزاري هذا - هو أبو إسحاق - أو مروان بن معاوية وكلاهما ثقة امام * ومن طريق البخاري نا إبراهيم بن موسى نا هشام بن يوسف انا ابن جريج أخبرهم قال : أخبرني سعيد بن أبي أيوب أن يزيد بن أبي حبيب اخبره ان أبا الخير حدثه عن عقبة بن عامر الجهني قال : ( نذرت أختي ان تمشى إلى بيت الله تعالى ( وأمرتني ان استفتى لها النبي صلى الله عليه وسلم ) ( 4 ) فاستفتيت النبي عليه السلام فقال : لتمش ولتركب ) فامرها بكلا الامرين ولم يوجب عليها في ذلك شيئا ، وقد علمنا ضرورة أن رسول الله عليه السلام لم يأمرها بالمشي إلا وهي قادرة عليه

--> ( 1 ) الزيادة من موطأ مالك ج 2 ص 30 ورواه البخاري ج 8 ص 254 ( 2 ) قال مالك في موطأه بعد ما أورد الحديث : معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من نذران يعصى الله فلا يعصه ) ان ينذر ان يمشى إلى الشام أو إلى مصر أو إلى الربذة أو ما أشبه ذلك مما ليس لله بطاعة أو ان كلم فلانا أو ما أشبه ذلك فليس عليه في شئ من ذلك ان هو كلمه أو حنث بما حلف عليه لأنه ليس لله في هذه الأشياء طاعة وإنما يوفى لله بماله فيه طاعة اه‍ والله أعلم ( 3 ) هو في صحيح البخاري ج 3 ص 48 وقوله ( يهادى ) من المهاداة وهي ان يمشى الشخص بين اثنين معتمدا عليهما ، ورواه أبو داود أيضا في سننه ج 3 ص 233 ( 4 ) الزيادة من صحيح البخاري ج ( 3 ) ص 48 وهي موجودة أيضا في سنن أبي داود ج 3 ص 231