ابن حزم
256
المحلى
برهان ذلك قول الله تعالى : ( وليس عليكم جناح فميا أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم * وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عفى لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) فالمستكره على كل ما ذكرنا والمرأة المكرهة على الجماع لا شئ عليها ، ولا على من أكره على ما ذكرنا ، وحجهم تام ، واحرامهم تام * وقال أبو حنيفة : من غطى رأسه ، أو وجهه ، أو لبس ما نهى عامدا ، أو ناسيا ، أو مكرها يوما إلى الليل فعليه دم ، فان فعل ذلك أقل من يوم فعليه صدقة ، فان حلق قفاه للحجامة فعليه دم ، فان حلق بعض عضو فعليه صدقة ، وقال مالك : من فعل شيئا من ذلك فأماط به عن نفسه أذى فعليه الفدية التي على من حلق رأسه ولا يحتجم الا من ضرورة ، فان حلق مواضع المحاجم فعليه الفدية ، وقال الشافعي : لا شئ في النسيان في كل ذلك الا في حلق الرأس فقط ففيه الفدية قال : ولا يحلق موضع المحاجم ولم يذكر في ذلك فدية * قال أبو محمد : أما أقوال أبي حنيفة فظاهرة الفساد والتناقض ولا نعلمها عن أحد قبله ، ولا دليل على صحة شئ منها لا من قرآن ، ولامن سنة ، ولا رواية سقيمة ، ولاقول صاحب ، ولا قياس لان تفريقه بين ذلك يوما أو أقل من يوم دعوى فاسدة ، وقال بعضهم : هذا هو المعهود من لباس الناس * قال على : كذب في ذلك بل قد قال الله تعالى : ( وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ) فأخبر تعالى ان اللباس لا يقل ( 1 ) في النهار بل قد يوضع للقائلة ، وأخبر أن اللباس يقل ( 2 ) إلى بعد صلاة العشاء وقد يكون إلى نصف الليل ، فان ذكروا ما روى عن ابن عباس . والنخعي ان من ترك من نسكه شيئا فليرق دما قلنا : أنتم أول من خالف ذلك لأنكم تجعلون في أكثر ذلك صدقة لا دما ، ولاعجب أعجب ممن يحتج بشئ يراه حقا ، ثم هو أول مخالف له : وأما قول مالك فإنه قياس والقياس كله باطل ، ولو كانت اماطته ( 3 ) الأذى بغير حلق الرأس توجب الفدية لأوجب الفدية البول . والغائط . والاكل . والشرب . والغسل للحر ، والتروح والتدفؤ للبرد ، وقلع الضرس للوجع ، فكل هذا إماطة أذى ، ( فان قالوا ) : قد أجمع الناس على اسقاط الفدية في أكثر
--> ( 1 ) يقال أقل الشئ يقله واستقله يستقله إذا رفعه وحمله ، والمعنى هنا والله أعلم ( وحين تضعون ثيابكم ) - أي تنزعونها عن أبدانكم وقت الظهيرة من شدة حرها ، وكذلك بعد صلاة العشاء لأنه وقت نوم وخلوة بالأهل ( 2 ) أي يحمل ويلبس بعد صلاة العشاء وبعد هذا الوقت ينزع لأنه ، وقت نوم ففي الآية دليل على أن اللباس لا يتصل لبسه من أول النهار إلى آخره بل ينزع في أوقات مخصوصة فسقط ما قاله البعض من أن المعهود من لباس الناس يوما إلى الليل كما يقوله أبو حنيفة ، ووقع في بعض النسخ ( ان اللباس يتصل ) بدل ( يقل ) والمعنى قريب من هذا ولا يحتاج إلى تكلف وجرينا على ماهنا على بيان المعنى بخلاف تلك النسخ ( 3 ) في النسخة اليمنية ( إماطة )