ابن حزم

16

المحلى

قيل لهم : كذبتم ! ما أوجبه دليل قط ، وما جعل الله تعالى رأس النخعي وحده دليلا في دينه : وقد وجدنا الأوقاص تختلف ، فمرة هو في الإبل أربع ، ومرة عشرة ، ومرة تسعة ، ومرة أربعة عشر ، ومرة أحد عشر ، ومرة تسعة وعشرين ، ومرة هو في الغنم ثمانون ، ومرة تسعة وسبعون ، ومرة مائة وثمانية وتسعون ، ومرة تسعة وتسعون فأي نكرة في أن تكون تسعة عشر إذا صح بذلك دليل ؟ ! لولا الهوى والجهل * ! فلم يبق الا ما رويناه من عمل عمال ابن الزبير ، وعمل طلحة بن عبد الله بن عوف هو أبن أخي عبد الرحمن بن عوف ، ومن كبار التابعين جدا بالمدينة بحضرة بقية الصحابة فلم ينكروه . فنظرنا في ذلك فوجدنا لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم في هذا من طريق اسناده الآحاد ولا من طريق التواتر شئ كما قدمنا ، ولا عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم شئ لا يعارضه غيره ، ولا يحل أن تؤخذ شريعة الا عن الله تعالى ، اما من القرآن ، واما من نقل ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم من طريق الآحاد الثقات ، أو من نقل التواتر ، أو من نقل باجماع الأمة ، فلم نجد في القرآن ولا في نقل الآحاد والتواتر بيان زكاة البقر ، ووجدنا الاجماع المتيقن المقطوع به ، الذي لا خلاف في أن كل مسلم قديما وحديثا قال : به ، وحكم به من الصحابة فمن دونهم قد صح على أن في كل خمسين بقرة بقرة ، فكان هذا حقا مقطوعا به على أنه من حكم الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم سلم ، فوجب القول به ، وكان ما دون ذلك مختلفا فيه ، ولا نص في ايجابه ، فلم يجز القول ، وقد قال الله تعالى : ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم : ( ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام ) فلم يحل أخذ مال مسلم ولا ايجاب شريعة بزكاة مفروضة بغيريقين ، من نص صحيح عن الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم سلم . ولا يغترن مغتر بدعواهم أن العمل بقولهم كان مشهورا ، فهذا باطل ، وما كان هذا القول الا خاملا في عصر الصحابة رضي الله عنهم ، ولا يؤخذ الا عن أقل من عشرة من التابعين ، باختلاف منهم أيضا ، وبالله التوفيق . قال على : ثم استدركنا فوجدنا حديث مسروق إنما ذكر فيه فعل معاذ باليمن في زكاة البقر ، وهو بلا شك قد أدرك معاذا وشهد حكمه وعمله المشهور المشهور ، فصار نقله لذلك ولأنه عن عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم : نقلا عن الكافة عن معاذ بلا شك ، فوجب القول به