ابن حزم
251
المحلى
يعلمه لاحد في ذلك ، وأجزأه ، وليسع في تعلم أم القرآن فان عرف بعضها ولم يعرف البعض قرأ ما عرف منها فأجزأه ، وليسع في تعلم الباقي ، فإن لم يحفظ شيئا من القرآن صلى كما هو : يقوم ويذكر الله كما يحسن بلغته ويركع ويسجد حتى يتم صلاته ، ويجزيه ، وليسع في تعلم أم القرآن * وقال بعض القائلين : يقرأ مقدار سبع آيات من القران ، أو يذكر الله تعالى مقدار سبع آيات * قال علي : وقصد بذلك قصد التعويض من أم القرآن ، والتعويض من الشرائع باطل ، إلا أن يوجبه قرآن أو سنة ، ولا قرآن ولا سنة فيما ادعى ، ولو كان قياس هذا القائل صحيحا لوجب أن لا يجزئ من عليه يوم من رمضان الا يوم بطول اليوم الذي أفطره ، وهذا باطل * وبرهان صحة قولنا قول الله تعالى ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) : وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) فصح انه يسقط عنه ما عجز عنه ، ويلزمه ما استطاع عليه ( 1 ) ، وقال تعالى : ( فاقرؤا ما تيسر من القرآن ) وعلم رسول الله صلى الله تعالى وسلم المصلى فقال له : ( اقرأ ما تيسر معك من القرآن ) وقد ذكرناه باسناده : فمن عجز عن أم القرآن وقدر على غيرها من القرآن سقطت عنه ، ولزمه ما تيسر له من القرآن ويجزئ من ذلك ما وقع عليه اسم قرآن من كلمتين معروف أنهما من القرآن فصاعدا وان وجد هذا المعنى في كلمة واحدة أجزأته ، لان عموم ( ما تيسر ) يدخل فيه كل ذلك . وبالله تعالى التوفيق * 366 مسألة ومن كان يقرأ برواية من عد من القراء ( بسم الله الرحمن الرحيم ) آية من القرآن لم تجزه الصلاة الا بالبسملة ، وهم عاصم بن أبي النجود : وحمزة : والكسائي وعبد الله بن كثير وغيرهم من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم ، ومن كان يقرأ برواية من لا يعدها آية من أم القرآن فهو مخير بين ان يبسمل وبين ان لا يبسمل ، وهم ابن عامر وأبو عمرو ( 2 ) ويعقوب ، وفي بعض الروايات عن نافع ( 3 ) *
--> ( 1 ) كذا في الأصل ( استطاع ) بعلى ولم أجد ما يؤيده ( 2 ) في الأصل ( أبو عمر ) وهو خطأ ( 3 ) هكذا أطلق المؤلف الرواية في قراءة البسملة عن القراء ، وهو خطأ ، فان الذين قرؤا منهم بترك البسملة إنما قرؤا بذلك عند الوصل فقط أي إذا وصل القارئ سورة بالتي قبلها . على أن كل من روى عنه تركها منهم روى عنه اثباتها ، ولم يرد عن واحد منهم حذفها رواية واحدة قط ، ثم إن هذا الخلاف بينهم إنما هو في غير الفاتحة ، قال امام القراء أبو الخير بن الجزري في كتاب النشر في القراءات العشر ( ج 1 ص 262 ) : ( ان كلا من الفاصلين بالبسملة والواصلين والساكتين إذا ابتدأ سورة من السور بسمل بلا خلاف عن أحد منهم الا إذا ابتدأ براءة ) ثم قال : ( لم يكن بينهم خلاف في اثبات البسملة أول الفاتحة سواء وصلت بسورة الناس قبلها أو أبتدئ بها ، لأنها ولو وصلت لفظا فإنها مبتدأ بها حكما ولذلك كان الواصل هنا حالا مرتحلا ) والحق ان قراءة من قرأ بحذفها في الوصل قراءة شاذة غير صحيحة وإن كانت من السبعة أو العشرة لان من شرط صحة القراءة موافقة رسم المصحف كما اتفق عليه عامة القراء بغير خلاف بل هو اتفاق جميع العلماء : وما كان الصحابة رضي الله عنهم ليزيدوا في المصاحف مائة وثلاث عشرة بسملة من غير أن تكون أنزلت في المواضع التي كتبت فيها ، ولو شككنا في هذا لفتحنا بابا عريضا للملاحدة اللاعبين بالنار ، وقد كان الصحابة احرص على كتاب الله من أن يتطرق إليه شك أو وهم ، ولذلك جردوا المصاحف من أسماء السور ولم يكتبوا ( آمين ) وامتنع عمر من كتابة شهادته هو وبعض كبار الصحابة بالرجم خشية ان يتوهم انها زيادة على الكتاب ، وصدع بذلك على المنبر . واما من أجاز قراءة الفاتحة في الصلاة بدون بسملة فإنه لا دليل له أصلا ، والأحاديث التي استدلوا بها بعضها ضعيف وبعضها لا يدل صراحة على ذلك ، ولا تعارض اتفاق القراء من غير خلاف على البسملة في أول الفاتحة مع تأيد هذا برسم المصحف ، وهو الحجة الأولى القاطعة لكل نزاع * وقد حققنا هذا الموضع في شرحنا على التحقيق لابن الجوزي بما لا تجده في كتاب آخر . والحمد لله رب العالمين .