ابن حزم

154

المحلى

فلولا أن كل هذه الوجوه قد كان يؤذن بها ( 1 ) على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا شك ، وكان الاذان بمكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعه عليه السلام إذ حج ، ثم يسمعه أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، بعده عليه السلام ، وسكنها أمير المؤمنين ابن الزبير تسع سنين وهو بقية الصحابة ، والعمال من قبله بالمدينة والكوفة : فمن الباطل الممتنع المحال الذي لا يحل أن يظن بهم رضي الله عنهم أن أهل مكة بدلوا الاذان وسمعه أحد هؤلاء الخلفاء رضي الله عنهم أو بلغه والخلافة بيده : فلم يغير ، هذا ما لا يظنه مسلم ، ولو جاز ذلك لجاز بحضرتهم بالمدينة ولا فرق ، * وكذلك فتحت الكوفة ونزل بها طوائف من الصحابة رضي الله عنهم وتداولها عمال عمر بن الخطاب ، وعمال عثمان رضي الله عنهما ، كأبي موسى الأشعري ، وابن مسعود ، وعمار ، والمغيرة ، وسعد بن أبي وقاص ، ولم تزل الصحابة الخارجون عن الكوفة يؤذنون في كل يوم سفرهم ( 2 ) خمس مرات ، إلى أن بنوها وسكنوها ، فمن الباطل المحال أن يحال ( 3 ) الاذان بحضرة من ذكرنا ويخفى ذلك على عمر وعثمان ، أو يعلمه أحدهما فيقره ولا ينكره * ثم سكن الكوفة علي بن أبي طالب إلى أن مات ونفذ العمال من قبله إلى مكة والمدينة ، ثم الحسن ابنه رضي الله عنه ، إلى أن سلم الامر لمعاوية رحمه الله تعالى ، فمن المحال أن يغير الاذان ولا ينكر تغيره على والحسن ولو جاز ذلك على على لجاز مثله على أبي بكر وعمر وعثمان ، وحاشا لهم من هذا ، فما يظن هذا بهم ولا بأحد منهم مسلم أصلا * فان قالوا : ليس أذان مكة ولا أذان الكوفة نقل كافة . قيل لهم : فان قالوا لكم : بل أذان أهل المدينة ليس هو نقل كافة فما الفرق ؟ فان ادعوا في هذا

--> ( 1 ) في الأصل ( فلولا أن كل هذه الوجوه فقط كان يؤذن به ) وهو خطأ ( 2 ) كذا بالأصل ( 3 ) يحال : يعنى يغير *