السيد محمد سعيد الحكيم
61
المحكم في أصول الفقه
بالاستمرار زائدا على الحكم المغيى الذي هو مفاد الاستصحاب . فإن مفاد الاستصحاب الحكم بالبقاء بعد الفراغ عن الثبوت ، على أن يكون البقاء والاستمرار محكوما به بما أنه معنى اسمي ، لا من شؤون الحكم الأول بما هو معنى حرفي ، كما هو الحال في النصوص ، وإلا فكل حكم مغيى ببقاء موضوعه . ومن ثم كانت الغاية في النصوص مناسبة لأصالتي الحل والطهارة وظاهرة فيهما ، لا في الاستصحاب . نعم ، قرب شيخنا الأعظم قدس سره دلالة حديث حماد على الاستصحاب ، لان الاشتباه فيه غالبا يكون من جهة احتمال عروض النجاسة عليه ، وإلا فهو بحسب الأصل طاهر في نفسه ، فيلزم لأجل ذلك حمل الحكم بالطهارة في الصدر على الحكم باستمرارها بعد الفراغ عن ثبوتها ، لا بأصل ثبوتها . قال قدس سره : " والمعنى : أن الماء المعلوم طهارته بحسب أصل الخليفة طاهر حتى تعلم . أي : تستمر طهارته المفروضة إلى حين العلم بحصول القذارة له " . وفيه : أن مجرد غلبة كون منشأ الشك هو الشك في استمرار الطهارة بعد اليقين بحصولها سابقا لا يكشف عن تعبد الشارع بالاستمرار بعناية الفراغ عن أصل الحدوث . بل يمكن تعبده بأصل ثبوت الطهارة ، من دون نظر إلى سبق اليقين به ، وهو الظاهر من الحديث الملزم بحمله على أصالة الطهارة . وكونها محكومة لاستصحابها المفروض جريانه غالبا - مع توقفه على قيام الدليل عليه ، فلا مجال لفرضه في مقام الاستدلال عليه - لا يمنع من إرادتها لبيان جريانها من هذه الحيثية ، لان الأصل الحاكم لا يمنع من جريان المحكوم ذاتا ، بل هو نظير الحكم الأولي والثانوي ، فإن الثاني لا يوجب قصور الأول ذاتا ، بل يمنع من فعليته مع منافاته له عملا ، لا مع توافقهما ، كما في المقام . فلا مانع من إرادة قاعدة الطهارة وبيان حيثيتها ولو لينتفع بها في الموارد القليلة التي لا يجري فيها الاستصحاب ، وهي موارد تعاقب الحالتين مع الجهل