السيد محمد سعيد الحكيم
296
المحكم في أصول الفقه
الشريعة السابقة ، كما يقتضيه ما يفصل بينهما دل على نسخ هذه الشريعة لتلك . وهو كما ترى ! إذ لا معنى لنسخ الحكم الإلهي بمثله . ومجرد اختلاف الشريعتين لا يصححه بعد رجوعهما إلى مقام الكشف والتبليغ مع وحدة الحاكم . وما تضمن نسخ شريعتنا لما قبلها لا يراد به نسخ جميع أحكامها بها ، بل ليس إلا منافاتها لها في الجملة وتقديمها في مورد المنافاة ، فأحكام تلك الشرايع خاضعة للتبديل بهذه الشريعة وإن لم تتبدل بها كلها لعدم منافاة بعضها لها . كما قد يشهد به قوله تعالى : " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ، فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ، لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا . . . " ( 1 ) . ومن الغريب ما ذكره من انتهاء أمد جعل الحكم الأول . إذ لا معنى لنسخ الحكم مع انتهاء أمده ، فان النسخ رفع الحكم الثابت . ومنه يظهر أنه لا حاجة للامضاء حينئذ ، كي يكون مقتضى الأصل عدمه - خلافا لما يظهر من بعض الأعاظم قدس سره - إذ هو إنما يصح مع اختلاف الحاكم ، كإمضاء الشارع للأحكام العرفية ، دون مثل المقام مما اتحد فيه الحاكم واختلف المبلغ ، بل الحكم المحتاج للامضاء لا يقبل النسخ ، فإن الحكم الذي من شأنه المضي بنفسه يقبل النسخ دون الامضاء ، والذي ليس من شأنه المضي بنفسه يقبل الامضاء دون النسخ ، فلو أحرز الحكم الإلهي بأصالة عدم النسخ أو الاستصحاب ترتب الأثر عليه وإن لم يحرز إمضاؤه بذلك . نعم ، لا بأس بدعوى الامضاء في مقام الاثبات ، الراجع إلى استناد جميع
--> ( 1 ) سورة المائدة : 48 .