القاضي ابن البراج
581
المهذب
ولا يقول لواحد منهما تكلم ، لأنه إذا أفرده بالخطاب ، كسر قلب الآخر . وإذا ابتدء أحدهما بالكلام وجعل يدعي على خصمه ، منع الأخير من مداخلته ، لأنه يفسد عليه نظام الدعوى . وأقل ما على الحاكم ، أن يمنع كل واحد من أن يقال من عرض صاحبه ، لأنه جلس للفصل والانفصال بين الناس ، وأقل ما عليه أن لا يمكن أحدهما من ظلم الآخر ولا من الحيف عليه . ولا يجوز له أن يضيف أحد الخصمين دون صاحبه ، إما أن يضيفهما معا أو يتركهما معا . ولا يجوز له أن يرتشي في الأحكام ، لأن الراشي والمرتشي ملعونان ، وذلك حرام على المرتشي على كل حال ووجه ، فإن كان الراشي قد رشاه على تغيير ( 1 ) حكم أو إيقافه فهو حرام على ما قدمناه ، وإن كان لإجرائه على رسم له أو واجبه ، لم يحرم عليه ذلك . وأما الهدية ، فإن من لم يكن له بمهاداته عادة حرم عليه قبولها ، فإن كان من جرت له بمهاداته عادة كالصديق والملاطف والقريب ، فأهدى إليه هدية تتعلق بحكومة بينه وبين غيره ، أو أحسن بأنه قدمها بالحكومة بين يديه ، حرم ذلك عليه كالرشوة ، وإن لم يكن شئ من ذلك جاز قبولها والأفضل له أن ينزه عن أخذها . وإذا حضر مسافرون ومقيمون وكان الذي سبق هم المسافرون ، قدمهم ، لأنه ينبغي أن يقدم السابق من أهل البلد وكذلك المسافر ، بل هو أولى . وإن وافدا معا أو تأخر المسافرون فإن كان بهم قلة من حيث لا يضر تقدمهم بأهل البلد ، كان مخيرا بين تقديمهم وبين أن يفرد يوما يفرغ فيه من حكوماتهم ، لأن المسافر على شرف السفر والرجل يكثر شغله ويزدحم حوائجه ، فلهذا قدم . وإن كانوا مثل المقيمين أو أكثر كأيام الموسم في مكة والمدينة كانوا هم والمقيمين سواء ، لأن في تقديمهم إضرارا بأهل البلد وفي تأخيرهم إضرارا بهم ، فكانوا سواء .
--> ( 1 ) في بعض النسخ " تعيين " .