القاضي ابن البراج
كلمة المقدم 17
المهذب
عن الزلل والخطأ ، قد أحاطوا بمحكم القرآن ومتشابهه ، ومجمله ، ومفصله وناسخه ومنسوخه ، وعامه وخاصه ، ومطلقه ومقيده ، بل بدلالاته وتنبيهاته ، ورموزه وإشاراته التي لا يهتدي إليها إلا من شملته العناية الإلهية ، وعمته الفيوض الربانية . كما وأحاطوا بسنة نبيهم ، وشوارد أقواله ، ووجوه أفعاله . وألوان تقريره وإقراره . فالتحق - صلى الله عليه وآله - بالرفيق الأعلى والحال هذه ، وأي أن العلم بحقائق الكتاب ومتون سنته مخزون عند جماعة خاصة قد عرفهم بصفاتهم وخصوصياتهم تارة ، وأسمائهم وأعدادهم تارة أخرى كما سيوافيك ولو أن الأمة الإسلامية رجعوا في مجال العقائد والمعارف ، وموارد الأحكام والوظائف إلى هذه الثلة ، لأوقفوهم على كل غرة لائحة ، وحجة واضحة ، وقول مبين ، وبرهان متين ، واستغنوا بذلك عن كل قول ليس له أصل في كتاب الله وسنة رسوله ، ولمسوا اكتمال الدين في مجالي العقيدة والشريعة بأوضح شكل . فحديث اكتمال الدين وكمال الشريعة في جميع مجالاتها أمر لا غبار عليه ، ولكن الخلاف والنقاش حدث في أسس الإسلام وفروعه لأجل الاستقلال في فهم الذكر الحكيم ، وجمع سنة الرسول من دون أن يرجعوا إلى من عنده رموز الكتاب وإشاراته ، ودلائله وتنبيهاته ، فهم وراث الكتاب ( 1 ) وترجمان السنة ، فافترقوا - لأجل هذا الإعراض - إلى فرق كثيرة ومناهج متكثرة إن الاستقلال في فهم المعارف والأصول واستنباط الفروع ، ألجأ القوم إلى القول بالقياس والاستحسان ، وتشييد قواعد ومقاييس ظنية كسد الذرائع والمصالح المرسلة ، وغيرها من الأمور التي ما أنزل الله بها من سلطان ، وذلك لأنهم واجهوا من جانب اكتمال الدين من حيث الفروع والأصول ، بحيث لا يمكن إنكاره حسب
--> ( 1 ) إشارة إلى قوله سبحانه : " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا " الفاطر - 32 .