القاضي ابن البراج
كلمة المقدم 12
المهذب
الواقعيات المتضادة للكمال : فإذا كان الشارع قد أعلن عن خاتمية الرسالة وكمال الشريعة الإسلامية ، وجب أن تتقارب الخطى والمواقف بين المسلمين ، ويقل الخلاف والنقاش بينهم ، ويجتمع الكل على مائدة القرآن والسنة من دون أن يختلفوا في عقائدهم ، ولا أن يتشاجروا في تكاليفهم ووظائفهم . ولكننا - مع الأسف - نشاهد في حياة المسلمين أمرا لا يجتمع مع هذا الكمال ، بل يضاده ، ويخالفه بل وينادي بظاهرة بعدم كماله من حيث الأصول والفروع ، وينادي بأن الرسول صلى الله عليه وآله ما جاء بشريعة كاملة جامعة الأطراف شاملة لكل شئ . وتلك الحقيقة المضادة لحديث الكمال هي الاختلافات الكبيرة والخلافات العريقة التي حدثت بين المسلمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله بل قبيلها أيضا . فقد صاروا في أبسط المسائل إلى معقدها إلى اليمين واليسار ، وافترقوا فرقتين أو فرقا حتى انتهوا إلى سبعين فرقة ، بل إلى سبع مائة فرقة . فهذا هو التاريخ يحدثنا أن أول تنازع وقع في مرضه ( عليه الصلاة والسلام ) هو ما رواه البخاري بإسناده عن عبد الله بن عباس ، قال : لما اشتد بالنبي مرضه الذي مات فيه ، قال : إئتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي ، فقال عمر ( رضي الله عنه ) : إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد غلبه الوجع ، حسبنا كتاب الله وكثر اللغط فقال النبي صلى الله عليه وآله قوموا عني لا ينبغي عندي التنازع ، قال ابن عباس : الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين رسول الله ( 1 ) . ولم ينحصر الخلاف في أخريات حياته ، بل ظهر الخلاف في تجهيز جيش
--> ( 1 ) صحيح البخاري ج 1 باب كتابة العلم ص 29 وأيضا ج 4 كتب الجهاد باب جوائز الوفد ص 69 ، وصحيح مسلم ج 5 كتاب الوصية ، باب ترك الوصية ص 76 .