السيد مرتضى العسكري

92

معالم المدرستين

قال فأعادها مرتين أو ثلاثا حتى فهمتها فعرفت ما أراد ، فخنقتني عبرتي فرددت دمعي ولزمت السكوت ، فعلمت ان البلاء قد نزل ، فأما عمتي فإنها سمعت ما سمعت وهي امرأة وفي النساء الرقة والجزع فلم تملك نفسها ان وثبت تجر ثوبها وإنها لحاسرة حتى انتهت إليه فقالت ، وا ثكلاه ! ليت الموت أعدمني الحياة ! اليوم ماتت فاطمة أمي ! وعلي أبي ! وحسن أخي ! يا خليفة الماضي وثمال الباقي ، فنظر إليها الحسين ( ع ) ، فقال : يا أخية ! لا يذهبن حلمك الشيطان ، قالت : بأبي أنت وأمي ، يا أبا عبد الله استقتلت ! نفسي فداك ! فرد غصته وترقرقت عيناه وقال : لو ترك القطا ليلا لنام قالت : يا ويلتا ! أفتغصب نفسك اغتصابا ! فذلك اقرح لقلبي ! وأشد على نفسي ! ولطمت وجهها وأهوت إلى جيبها وشقته ! وخرت مغشيا عليها ! فقام إليها الحسين ، فصب على وجهها الماء ! وقال لها : يا أخية ! اتقي الله ! وتعزي بعزاء الله ! واعلمي ان أهل الأرض يموتون ، وان أهل السماء لا يبقون ، وان كل شئ هالك إلا وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته ، ويبعث الخلق فيعودون ، وهو فرد وحده ، أبي خير مني ، وأمي خير مني ، وأخي خير مني ، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة ، قال : فعزاها بهذا ونحوه ، وقال لها : يا أخية ! اني أقسم عليك فأبري قسمي لا تشقي علي جيبا ! ولا تخمشي على وجها ! ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا انا هلكت ! قال : ثم جاء بها حتى اجلسها عندي وخرج إلى أصحابه ، فأمرهم ان يقربوا بعض بيوتهم من بعض وان يدخلوا الاطناب بعضها في بعض ، وان يكونوا هم بين البيوت ، إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم . احياؤهم الليل بالعبادة : وروى عن الضحاك بن عبد الله المشرقي قال : فلما امسى حسين وأصحابه ، قاموا الليل كله يصلون ، ويستغفرون ، ويدعون ، ويتضرعون ، قال : فتمر بنا خيل لهم ، تحرسنا ، وان حسينا ليقرأ : ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ، ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب . فسمعها رجل من تلك الخيل التي كانت تحرسنا ، فقال : نحن ورب الكعبة الطيبون ! ميزنا منكم ! قال فعرفته فقلت لبرير بن حضير : تدرى من هذا ؟ قال : لا ، قلت : هذا أبو حرب السبيعي عبد الله بن شهر ، وكان مضحاكا بطالا وكان شريفا ، شجاعا فاتكا ، وكان سعيد بن قيس ربما حبسه في جناية ، فقال له برير بن