السيد مرتضى العسكري

53

معالم المدرستين

يجئ أحد مردود من الناس عاملا من عمال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه وقربه وشفعه فلبثوا بذلك حينا . ثم كتب إلى عماله : إن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية ، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وأتوني بمناقض له في الصحابة مفتعلة فان هذا أحب إلي ، وأقر لعيني ، وادحض لحجة أبي تراب وشيعته ، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله فقرئت كتبه على الناس ، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها . وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر ، والقي إلى معلمي الكتاتيب فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن وحتى علموهم بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم فلبثوا بذلك ما شاء الله . فظهر حديث كثير موضوع ، وبهتان منتشر ، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة ، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراؤون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك ، فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا مجالسهم ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل ، حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها حق ولو علموا انها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها 1 . وقد سمى ابن أبي الحديد قوما من الصحابة والتابعين ممن وضعهم معاوية لرواية الاخبار ، وأخرجنا بعضها في كتابنا أحاديث عائشة 2 . وقد سموا كل تلكم الأحاديث الموضوعة بسنة النبي والويل لمن أنكرها ولم يؤمن بها ولم يصدقها 3 .

--> ( 1 ) ابن أبي الحديد في شرح " من كلام له ( ع ) وقد سأله سائل عن أحاديث البدع " رقم / 208 ج 3 / 15 - 16 ، واحمد امين في فجر الاسلام 275 . 2 ) في شرح : ومن كلام له ( ع ) لأصحابه " اما انه سيظهر عليكم بعدي رجل " ج 1 / 358 . وفي كتاب أحاديث عائشة فصل نتائج البحث من باب مع معاوية ص 295 - 297 . 3 ) روى الخطيب في ج 14 / 7 من تاريخ بغداد ، انه ذكر عند الرشيد وعنده رجل من وجوه قريش حديث أبي هريرة " ان موسى لقي آدم فقال : أنت آدم الذي أخرجتنا من الجنة . " فقال القرشي : أين لقي آدم موسى قال : فغضب الرشيد وقال : النطع والسيف زنديق والله يطعن في حديث رسول الله ، فما زال الراوي - أبو معاوية - يسكنه ويقول : كانت منه بادرة ولم يفهم يا أمير المؤمنين ، حتى سكنه .