قطب الدين الراوندي

88

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

واعلم أنه لا خير في علم لا ينفع ، ولا ينتفع ( 1 ) بعلم لا يحق تعلمه ( 2 ) . أي بني ، إني لما رأيتني قد بلغت سنا ورأيتني أزداد وهنا ، بادرت بوصيتي إليك ، وأوردت خصالا منها قبل أن يعجل بي أجلي دون أن أفضي إليك بما في نفسي ، أو ان أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي ، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا ، فنكون كالصعب النفور ، وانما قلب الحدث كالأرض الخالية ما القي فيها من شيء قبلته ، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك ، لتستقبل بجد ( 3 ) رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته ، فتكون قد كفيت مؤنة الطلبة ( 4 ) وعوفيت من علاج التجربة ، فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه واستبان لك ما ربما أظلم علينا فيه . أي بني ، إني وان لم أكن عمرت عمر من كان قبلي ، فقد نظرت في أعمالهم وفكرت في أخبارهم ، وسرت في آثارهم ، حتى عدت كأحدهم ، بل كأني بما انتهى إلي من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم ، فعرفت صفو ذاك من كدره ، ونفعه من ضرره ، فاستخلصت لك من كل أمر نخيلته ( 5 ) [ وتوخيت لك جميله ] ( 6 ) وصرفت عنك مجهوله . ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق ، وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر مقتبل الدهر

--> ( 1 ) في ب وهامش م : ولا ينفع . ( 2 ) في ب : نفعه . ( 3 ) في بعض النسخ : « بحد رأيك » وفي بعضها : « بحداثتك » . ( 4 ) في بعض النسخ : الطلب . ( 5 ) في الف ، يد ، هامش م : « جليلة » وفي هامش نا ، ب : « جليته » . ( 6 ) ليس ما بين المعقوفين في الف .