قطب الدين الراوندي

287

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

معاوية ومسألته عن أمير المؤمنين عليه السلام ، قال : فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله ، وهو قائم في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ويقول : يا دنيا يا دنيا ، إليك عنى ، أبي تعرضت ، أم إلي تشوفت ( 1 ) ، لا حان حينك . هيهات غري غيري ، لا حاجة لي فيك ، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها ، فعيشك قصير ، وخطرك يسير ، وأملك حقير . آه من قلة الزاد ، وطول الطريق ، وبعد السفر ، وعظيم المورد . ( وقال عليه السلام ) للشامي لما سأل : أكان مسيره إلى الشام بقضاء من اللَّه وقدر بعد كلام طويل هذا مختاره : ويحك ، لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حاتما ، ولو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد . ان اللَّه سبحانه أمر عباده تخييرا ونهاهم تحذيرا ، وكلف يسيرا ، ولم يكلف عسيرا ، وأعطى على القليل كثيرا ولم يعص مغلوبا ، ولم يطع مكرها ، ولم يرسل الأنبياء لعبا ، ولم ينزل الكتب للعباد عبثا ، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا . « ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ » . ( وقال عليه السلام ) خذ الحكمة أنى كانت ، فان الحكمة تكون في صدر المنافق ، فتلجلج ( 2 ) في صدره حتى تخرج فتسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن .

--> ( 1 ) وقد قرأ : « تسوفت » و « تشوقت » . ( 2 ) في نا ، ب : « فتتخلج » في الف « فتخلج » .