قطب الدين الراوندي

165

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

إليه حين ولاه مصر جباية ( 1 ) خراجها ، وجهاد عدوها ، واستصلاح أهلها ، وعمارة بلادها . أمره بتقوى اللَّه ، وايثار طاعته ، واتباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد إلا باتباعها ولا يشقى إلا مع جحودها واضاعتها . وأن ينصر اللَّه سبحانه بيده وقلبه ولسانه ، فإنه جل اسمه قد تكفل بنصر من نصره ، واعزاز من أعزه . وأمره أن يكسر من نفسه عند الشهوات ، ويزعها ( 2 ) عند الجمحات ، فان النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم اللَّه . ثم اعلم يا مالك إني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور ، وان الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك ، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم . وانما يستدل على الصالحين بما يجري اللَّه لهم على ألسن عباده ، فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح ، فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك ، فان الشح بالنفس الانصاف منها فيما أحببت وكرهت . وأشعر قلبك الرحمة للرعية ، والمحبة لهم ، واللطف بهم ، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم ، فإنهم صنفان : اما أخ لك في الدين ، وأما نظير لك في الخلق ، يفرط منهم الزلل ، وتعرض لهم العلل ، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ . فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك اللَّه من عفوه وصفحه ، فإنك فوقهم ، ووالي الأمر عليك فوقك ، واللَّه فوق من ولاك ، وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم .

--> ( 1 ) في م ، نا ، الف ، ب : جبوة . ( 2 ) في يد : ينزعها .