قطب الدين الراوندي
96
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
فلم تجد مساغا إلى بلوغ غاية ملكوته . هو اللَّه الملك الحق المبين ، أحق وأبين بما ترى العيون . لم تبلغه العقول بتحديد فيكون مشبها ، ولم تقع عليه الأوهام بتقدير فيكون ممثلا . خلق الخلق على غير تمثيل ، ولا مشورة مشير ، ولا معونة معين ، فتم خلقه بأمره ، وأذعن لطاعته ، فأجاب ولم يدافع ، وانقاد ولم ينازع . ومن لطائف صنعته ( 1 ) وعجائب خلقته ( 2 ) ما أرانا من غوامض الحكمة في هذه الخفافيش التي يقبضها الضياء الباسط لكل شيء ، ويبسطها الظلام القابض لكل حي . وكيف عشيت أعينها ( 3 ) عن أن تستمد من الشمس المضيئة نورا تهتدي به في مذاهبها ، وتتصل بعلانية برهان الشمس إلى معارفها ، وردعها بتلألؤ ضيائها عن المضيء في سبحات اشراقها ، وأكنها في مكامنها عن الذهاب في بلج ايتلافها . فهي مسدلة الجفون بالنهار على حداقها ، وجاعلة الليل سراجا تستدل به في التماس أرزاقها ، فلا يرد أبصارها أسداف ظلمته ، ولا تمتنع من المضيء فيه لغسق دجنته . فإذا ألقت الشمس قناعها ، وبدت أوضاع نهارها ، ودخل من اشراق نورها على الضباب في وجارها ، أطبقت الأجفان على مآقيها وتبلغت بما اكتسبته من المعاش في ظلم ليلها ( 4 ) . فسبحان من جعل الليل لها نهارا ومعاشا ، والنهار سكنا وقرارا ، وجعل لها أجنحة من لحمها تعرج بها عند الحاجة إلى الطيران كأنها شظايا الأذان ، غير ذوات ريش ولا قصب ، إلا أنك ترى مواضع العروق بينة أعلاما ، لها جناحان لما يرقا فينشقا ولم يغلظا فيثقلا ، تطير وولدها لاصق بها لاجىء إليها ، يقع إذا
--> ( 1 ) في ب : صنعه . ( 2 ) في يد : حكمته . ( 3 ) في م : عينها . ( 4 ) في الف ، نا ، يد وهامش ب : لياليها .