قطب الدين الراوندي
66
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
( منها ) : آثروا عاجلا ، وأخروا آجلا ، وتركوا صافيا ، وشربوا آجنا . كأني أنظر إلى فاسقهم وقد صحب المنكر فألفه ، وبسىء به ووافقه حتى شابت عليه مفارقه وصبغت به خلائقه ، ثم أقبل مزيدا كالتيار لا يبالي ما غرق ، أو كوقع النار في الهشيم لا يحفل ما حرق . أين العقول المستصبحة بمصابيح الهدى والأبصار ، اللامحة إلى منازل التقوى . أين القلوب التي وهبت للَّه وعوقدت على طاعة اللَّه ، ازدحموا على الحطام وتشاحوا على الحرام ، ورفع لهم علم الجنة والنار ، فصرفوا عن الجنة وجوههم وأقبلوا إلى النار بأعمالهم ، ودعاهم ربهم فنفروا وولوا ، ودعاهم الشيطان فاستجابوا وأقبلوا . ( ومن خطبة له عليه السلام ) أيها الناس إنما أنتم في هذه الدنيا غرض تنتضل فيه المنايا ، مع كل جرعة شرق ، وفي كل أكلة غصص . لا تنالون منها نعمة إلا بفراق أخرى ، ولا يعمر معمر منكم يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله ، ولا تجدد له زيادة في أكله إلا بنفاد ما قبلها من رزقه ، ولا يحيا له أثر إلا مات له أثر ، ولا يتجدد له جديد إلا بعد أن يخلق له جديد ، ولا تقوم له نابتة إلا وتسقط منه محصودة . وقد مضت أصول نحن فروعها ، فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله . ( ومنها ) : وما أحدثت فتنة إلا ترك بها سنة ، فاتقوا البدع والزموا المهيع ان عوازم الأمور أفضلها ، وان محدثاتها شرارها .