قطب الدين الراوندي

410

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ولو فكروا في عظيم القدرة ، وجسيم النعمة ، لرجعوا إلى الطريق ، وخافوا عذاب الحريق . ولكن القلوب عليلة ، والأبصار مدخولة . ألا ينظرون ( 1 ) إلى صغير ما خلق كيف أحكم خلقه ، وأتقن تركيبه ، وفلق له السمع والبصر ، وسوى له العظم والبشر . أنظروا إلى النملة في صغر جثتها ، ولطافة هيئتها ، لا تكاد تنال بلحظ البصر ولا بمستدرك الفكر ، كيف دبت على أرضها ، وصبت على رزقها ، تنقل الحبة إلى جحرها ، وتعدها في مستقرها . تجمع في حرها ( 2 ) لبردها ، وفي وردها ( 3 ) لصدرها . مكفول برزقها ، مرزوقة بوفقها ، لا يغفلها المنان ، ولا يحر منها ( 4 ) الديان ولو في الصفاء اليابس ، والحجر الجامس . ولو فكرت في مجاري أكلها ، وفي علوها وسفلها ، وما في الجوف من شراسيف بطنها ، وما في الرأس من عينها وأذنها ، لقضيت من خلقها عجبا ، ولقيت من وصفها تعبا . فتعالى الذي أقامها على قوائمها ، وبناها على دعائمها ، لم يشركه في فطرتها فاطر ، ولم يعنه على خلقها قادر . ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ ( 5 ) غاياته ما دلتك الدلالة إلا على أن فاطر النملة هو فاطر النخلة ، لدقيق تفصيل كل شيء ، وغامض اختلاف كل حي . وما الجليل واللطيف ، والثقيل والخفيف ، والقوي والضعيف في خلقه الأسواء .

--> ( 1 ) في ب : ألا تنظرون . ( 2 ) في ب : لحرها . ( 3 ) في ب : وفي ورودها . ( 4 ) في ب ، يد : لا يحرمها . ( 5 ) في ب : غاياتك .