قطب الدين الراوندي
395
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وقرن غير مغلوب ، وواتر غير مطلوب . قد أعلقتكم حبائله ، وتكنفتكم غوائله ، وأقصدتكم معابله ( 1 ) وعظمت فيكم سطوته ، وتتابعت عليكم عدوته ، وقلت عنكم نبوته . فيوشك أن تغشاكم دواجي ظلله ، واحتدام علله ، وحنادس غمراته ، وغواشي سكراته ، وأليم إزهاقه ، ودجو أطباقه ، وجشوبة مذاقه . فكان قد أتاكم بغتة فأسكت نجيكم ، وفرق نديكم ، وعفى آثاركم ، وعطل دياركم ، وبعث وراثكم ، يقتسمون تراثكم بين حميم خاص لم ينفع ، وقريب محزون لم يمنع ، وآخر شامت لم يجزع . فعليكم بالجد والاجتهاد ، والتأهب والاستعداد ، والتزود في منزل الزاد . ولا تغرنكم الحياة ( 2 ) الدنيا كما غرت من كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون الخالية ، الذين احتلبوا درتها ، وأصابوا غرتها ، وأفنوا عدتها ، وخلفوا جدتها . أصبحت مساكنهم أجداثا ، وأموالهم ميراثا ، لا يعرفون من أتاهم ، ولا يحفلون ( 3 ) من بكاهم ، ولا يجيبون من دعاهم . فاحذروا الدنيا فإنها غرارة خدوع ، معطية منوع ، ملبسة نزوع ، لا يدوم رخاؤها ، ولا ينقضي عناؤها ، ولا يركد بلاؤها . ( منها ) في صفة الزهاد : كانوا قوما من أهل الدنيا وليسوا من أهلها ، فكانوا فيها كمن ليس منها ، عملوا فيها بما يبصرون ، وبادروا فيها ما يحذرون ، تقلب أبدانهم بين ظهراني أهل الآخرة ، يرون أهل الدنيا يعظمون موت أجسادهم ، وهم أشد اعظاما لموت قلوب أحيائهم .
--> ( 1 ) في ب : معايله . ( 2 ) ليس « الحياة » في الف ، ب ، نا . ( 3 ) في ب ، الف : يحلفون .