قطب الدين الراوندي

392

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

واستعطف شرار خلقك ، وابتلى بحمد من أعطاني ، وافتتن بذم من منعني ، وأنت من وراء ذلك كله ولي الاعطاء والمنع ، إنك على كل شيء قدير . ( ومن خطبة له عليه السلام ) دار بالبلاء محفوفة ، وبالغدر معروفة ، لا تدوم أحوالها ، ولا تسلم نزالها . أحوال مختلفة ، وتارات متصرفة . العيش فيها مذموم ، والأمان منها معدوم ، وانما أهلها فيها أغراض مستهدفة ، ترميهم بسهامها ، وتفنيهم بحمامها . واعلموا عباد اللَّه إنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى قبلكم ، ممن كان أطول منكم أعمارا ، وأعمر ديارا ، وأبعد آثارا . أصبحت أصواتهم هامدة ، ورياحهم راكدة ، وأجسادهم بالية ، وديارهم خالية ، وآثارهم عافية . فاستبدلوا بالقصور المشيدة ، والنمارق الممهدة ، الصخور والأحجار المسندة ، والقبور اللاطئة الملحدة ، التي قد بنى على الخراب فناؤها ، وشيد بالتراب بناؤها ، فمحلها مقترب ، وساكنها مغترب ، بين أهل محلة موحشين ، وأهل فراغ متشاغلين ، لا يستأنسون بالأوطان ، ولا يتواصلون تواصل الجيران ، على ما بينهم من قرب الجوار ودنو الدار . وكيف يكون بينهم تزاور وقد طحنهم بكلكله البلى ، وأكلتهم الجنادل والثرى وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه ، وارتهنكم ذلك المضجع ، وضمكم ذلك المستودع . فكيف بكم لو تناهت بكم الأمور ، وبعثرت القبور « هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ ورُدُّوا إِلَى الله مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ » ( 1 ) .

--> ( 1 ) سورة يونس : 30 .